قدرة العقل البشري على التوصل الى الحلول الملائمة في وقت سريع وملائم ويشلّ حركة الأمة وقدرتها على تنظيم صفوفها ومنهجة أساليب نضالها وكفاحها القومي التقدمي.
ولقد أدرك أعداء الأمة ما للضغط النفسي والسياسي والعسكري من تأثير على قدرات الجماهير العربية وإمكانات النهوض والإنبعاث لديها فالضغط يزداد عادة في تأثيره عندما يصل الى مستوى عالي من الشدة ويقل كلما قلت هذه الشدة كما يختلف من أزمة الى أخرى بل ويتنوع في مراحل الأزمة الواحدة وبذلك يكون قليله نافع وكثيره ضار ولهذا السبب بالذات عملت القوى المعادية للأمة على التشديد في ضغوطها والترفيع في مستوياتها بإستمرار ودون هوادة أو إنقطاع حتى لا تفسح المجال للتفكير الهادئ أو العمل النضالي المنظم وحتى تقطع الطريق أمام أية محاولة جدية للنهوض والتقدم تماما كما كان الأمر مع ثورة البعث العربي الإشتراكي في العراق حيث تكثّفت الضغوط والمؤامرات والعراقيل والدسائس منذ اليوم الأول للثورة والى تاريخ إحتلال العاصمة بغداد.
ولعلّه من المفيد التذكير بأن الضغط الإمبريالي الصهيوني الصفوي قد وقعت ترجمته من خلال ما يسمى بنظرية التفكيك أو التفتيت وكما يقول المفكر برنارد لويس فإن: (( التغريب في المنطقة العربية أدى الى تفكيكها وتجزئتها وأن هذا التفكيك واكبه تفكيك إجتماعي وثقافي والواقع أن إلحاق المنطقة بالغرب لم يكن ممكنا إلا عن طريق تفكيكها وتجزئتها وهو تفكيك المنطقة بالفتن الطائفية والتفتيت الإجتماعي والثقافي وإفتعال الخصومات والفروقات وتوسيع مواطن الإختلاف والمبالغة في إبرازها ... ) )-4 - .
فتطبيق نظرية التفكيك أو التفتيت لم يأت إعتباطا أو من باب الصدفة بل جاء نتيجة لوعي سابق بخطورة وحدة الوطن والأمة على المشاريع الإستراتيجية الكبرى للقوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية وتأثير نهضة العرب كشعب ذو رسالة على مستقبل النفوذ والسيطرة على مقدرات وثروات وإمكانات الشعوب المضطهدة في العالم بأسره على إعتبار أن معركة العرب الوحدوية التحررية الإشتراكية هي معركة إنسانية ومعركة في سبيل بناء عالم خال من الكراهية والإستغلال.
ومهما يكن من أمر فقد فات أعداء الأمة والمتربصين بها والمصاصين لدمائها أن الضغط في جانبه الآخر يولّد بالضرورة والحتمية ضغطا مضادا وردّ فعل إنفعالي لا يمكن حصره وتحديد وإستشراف نتائجه وتجلياته وعواقبه الآنية والمستقبلية تمثلا للمعادلة الفيزيائية القائلة بأن لكل فعل ردّ فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الإتجاه. فمن الغباء تصوّر إمكانية بقاء الأمة العربية في وضعية الجمود والخمود والإنحطاط الى أبد الآبدين دون حركة أو فعل بينما تتعرض في كل يوم الى الضربات المتتالية التي تستهدف وجودها وكينونتها فحتى المخلوقات المكروسكوبية تدافع عن نفسها في ظل مثل هذه الظروف ودفاعها عن نفسها في الخلاصة هو دفاع عن بقائها وإستمرارها ولهذا كان قدر الأمة العربية وطلائعها الجهادية المناضلة أن تقود بالنيابة ووكالة عن الإنسانية بأسرها المعركة تلو الأخرى ضد قوى البغي والعدوان والإستعباد وأن تحارب على جبهات متعددة في نفس الوقت وأن تواجه أعداءا متعددين تجمعهم المصلحة والرغبة في إبقاء الأمة العربية مجزّءة منقسمة ضعيفة متخلفة حتّى يتيسّر إستغلالها والتحكّم في مصيرها وسرقة ثرواتها.
فالأمة العربية هي بالنتيجة أمة مقاتلة بالضرورة لأن المعركة التي تخوضها تتنزّل في إطار حماية النفس ضدّ قوى الإستئصال والإستيطان وحماية الآخرين من الشعوب المستعبدة التواقة الى الحرية والإنعتاق من سياسة العدوان التي تمارس يوميا على يد الإمبريالية العالمية العدوّ المشترك لكلّ الشعوب الحرة والباحثة عن الحرية ولهذا فإن نضال شعبنا العربي في فلسطين والعراق ولبنان والأحواز لا يمكن فهمه إلاّ من خلال وضعه في إطاره الإنساني ذلك أن مصير معركة الإنسانية من أجل قيم العدل والتسامح والتحرر يتوقّف على نتائج المعركة الحاسمة التي تخوضها الأمة العربية وجماهيرها الشعبية في ساحات الوغى على إمتداد الوطن العربي وكما يقول الأستاذ ميشيل عفلق رحمه الله فإن: (( القومية التي تخرج من تجربة الشعوب التي عانت الظلم وعانت الإستعمار وتحررت دون أن يستنفد الحقد ألمها وتجربتها أي التي عانت تجربة الظلم والتأخر
(يُتْبَعُ)