فهرس الكتاب

الصفحة 17315 من 28557

قال الشيخ شمس الدين:"كنت منذ ثلاث سنوات تحديت الحشوية أن يذكروا لنا آية واحدة قسم الله فيها التوحيد إلى ثلاثة أقسام و تحديتهم أن يذكروا لنا حديثا واحدا قسم فيه النبي صلى الله عليه و سلم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، حديثا واحدا ولو ضعيفا ... ولا زال التحدي قائما، ولازلنا ننتظر".

أقول و بالله أستعين:

لقد كثر التفاوض حول مسائل الاعتقاد وتطاحنت الفرق و الجماعات فيما بينها حتى أصاب أمتنا ما أصابها من تشتت جهدها و تلاشي قواها وتفكك عرى الألفة و التضامن في ما بين أبنائها، حتى إن بعض فضلاء أهل العلم من غير السلفيين ممن لهم مساع كبيرة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين والوقوف في وجوه أعدائهم من المستشرقين والعلمانيين ودعاة الانحلال،يعيبون أقرب الناس إلى الحق من أهل السنة والحديث، فيطعنون في طريقتهم ومنهجهم ويصفونهم بالجهل والتقليد و الجمود والتحجر على النصوص و حشو القول، مما تلقوه عن المعتزلة في ثلبهم أهل السنة.

وحتى يكون كلامنا بعلم وعدل وإنصاف، لابد من سلوك سبيل الموضوعية مع التجرد من الهوى والتعصب، ومن البغي والعدوان، و إن كانت هذه الدعوى قد يزين بها كل كاتب صحفه و كل متحدث مقاله فإن معرفة سبيل المؤمنين المتبعين لسنة نبيهم صلى الله عليه و سلم و تمييزها عن سبيل المبتدعين في دينهم ما ليس منه هو من يعطي هذه الشعارات تزكيتها.

فمن لم يعرف طريق المنحرفين عن السنة استدلالا و اعتمادا، ولم يعرف خلفية البدع و مصدرها قد يظن في بعض أدلة المبتدعين أنها من سبيل المتبعين.

فمن أهل العلم من عرف السنة و ميز بين ما يوافقها و ما ينافرها على التفصيل علما وعملا.

ومنهم من صرف جهده و طاقته إلى معرفة السنة دون ضدها، فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة، وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين من الصحابة فهو باطل وإن لم يتصوره على التفصيل، بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل الصحابة و التابعين لهم بإحسان صرف سمعه عنه، ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه.

وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه، حذر منها، ودفعها عن نفسه، وعن أمته ما وسعه الجهد، ولم يدعها تطعن في إيمانه فتورثه الشبه و تدعه شاكا في دلالات النصوص حائرا في مقارنتها بما يعارضها، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له.

ومنهم من عرف البدع مفصلة، والسنة مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الفرق فعرفها على التفصيل، ولم يعرف ما جاء به الرسول على التفصيل لأنه لم يعتن به، بل عرفه معرفة مجملة وإن فصّلها في بعض الأشياء.

ومن تأمل كتبهم رأى ذلك واضحا جليا.

ومسألة إنكار أقسام التوحيد أخذها الشيخ شمس الدين عن بعض الشيعة المعتزلة وهو علوي السقاف فهو من كتب فيها، و الاعتماد على السقاف يورث إشكالات عويصة في الفهم، فإن من يلج مسائل الاعتقاد طالبا للحق و الإنصاف غير من يلجها طالبا إبطال قول خصومه بأي سبب ووسيلة، فالأول يعتمد منهجا علميا معياره الصدق و اعتماد الدليل الصحيح الصريح المعتبر مع الأمانة في نقل مقالات الخصوم و استعراض أدلتهم، لا إهمالها كلية أو عرضها بإيجاز مخل، و الاسترواح عند بسط أدلته هو.

فالشيخ شمس الدين باعتماده على السقاف ـ سنترجمه بعد قليل ترجمة علمية ـ كان الأولى به أن يدافع عن الحق لا عن مذهب معين، و أن يبحث عن حجج تؤيد الحق لا لتبطل مذهب خصومه وترد عليه إذ كان يرمي إلى الحياد و المناصفة و العدل،فإن تلفيق النقول و ترتيب الأدلة يعود لقصد المتكلم، و قد يظهر منه أن سياق كلامه يتمتع بنوع من المنطق، ولكننا نعرف أن الحقيقة اكبر من السياق المنطقي المحدود، فالحقيقة تتوقف أولا على النصوص وما ستنبط منها.

ومتى دخل الرجل مسائل الاعتقاد مشبعا بفكر معين فإنه سيكون حبيس خلفيته الفكرية ولو من غير شعور، و بالتالي تجده حريصا على الإشارة إلى وسائل مغالطة الخصم الذي احكم حجته.

ولو كان الشيخ شمس الدين حريصا على الدفاع عن مذهب ما مع الموضوعية في الطرح، و التأول للأئمة التأويل الحسن، لكان الأجدر به تتبع مغالطات السقاف فإنه أبعد عن الأشاعرة من السلفيين الذين يتعرض لهم الشيخ في مقالاته.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت