وأهل الفترة قسمان:- قسم بلغته نذارة الرسل فلا يعذر بالجهل،وهم محجوجون بنذارة الرسل الذين أرسلوا إلى من قبلهم، وقسم آخر لم تبلغه نذارة الرسل فيعذر بالجهل، فالعبرة في اعتبار أهل الفترة المعذورين عدم بلوغ نذارة الرسل،وليس طول الفترة بين الرسول والرسول، أو بينهم وبين إرسال الرسول،وقد أرسل الله الرسل عليهم السلام مبشرين ومنذرين، وأقام سبحانه للناس أسباب الهداية، ومن تمام حكمته وعدله أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه،، ولذلك لا يعذب الله من لم تبلغهم نذارة الرسل في أي زمان ومكان، فإن الله لا يحاسبه ولا يعاقبه يقول ابن القيم: (( والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب، حصوله لأن هذا السبب قد نصب الله تعالى له شرطًا، وهو بعثة الرسل وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه وهذا فصل الخطاب ) ) ( [3] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=32599#_ftn3 ) ) وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) ( [4] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=32599#_ftn4 ) ) أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه) ( [5] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=32599#_ftn5 ) ) وقال البغوي: (( وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدًا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبًا إذا أمر فلم يأتمر أو نهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل، ولا عذاب على كافر أصلًا حتى تبلغه نذارة الرسول، فالحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان ) ) ( [6] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=32599#_ftn6 ) ) ، ولكن هل ثبت أن الله يعقد له امتحانًا فقد ذكر الإمام ابن حجر والبيهقي، أن من مات من أهل الفترة والمجنون وغيره فإن الامتحان والمسائلة قد صحت في حقه في عرصات يوم القيامة روى الإمام البيهقي بسنده عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ r قَالَ: (( أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يدلون على الله بحجة - رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ،وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا ) ) ( [7] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=32599#_ftn7 ) ) .
وبذلك يظهر أن الدليل مع من حكم بنجاة أهل الفترة مع امتحانهم في الآخرة، لأن الحديث السابق صح عند العلماء والله أعلم.
من خلال ما سبق من أدلة أن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة،فإن الله هو المختار سبحانه يقيم الحجة عليهم ويمتحنهم، فإما أن يكونوا مسلمين وإما أن يكونوا كفارًا، فإذا كانوا الأول شملهم الوزن إذ لا دليل يخرجهم وحيث إنه حكم بإسلامهم فلأعمالهم أثر، وإذا كانوا الثاني فعلى القول بأنه توزن أعمالهم وزنوا كذلك، ولاشك حينئذ أن تلوث سجلهم بالشرك الأكبر، كفيل بأن تطيش كل أعمالهم الحسنة، إذ لا وزن لها مقابل ذلك"فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا"وعلى القول بأنه لا توزن أعمالهم .. فالنتيجة واحدة، لأنه يدخل ضمن غير المكلف، فإن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه، وبعث الرسل إليه لقوله تعالى (? ? ? ? ? ? ?) ( [8] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=32599#_ftn8 ) ) فالله تعالى عادل لا يظلم مثقال ذرة سبحانه وتعالى ومن عدله تعالى أنه لا يعذب أحدًا من خلقه إلا بعد إقامة الحجة عليه، وأري أن الله من أدخله الجنة من هؤلاء فبرحمته تعالى، ومن أدخله النار فبعدله سبحانه وتعالى.
( [3] ) انظر مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: (2/ 39) تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار الكتب العلمية - بيروت.
( [5] ) تفسير القرآن العظيم: (2/ 462) .
( [7] ) رواه أحمد في المسند: رقم ح (4/ 24) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3/ 418) رقم ح (1434) .