كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش
رواه مسلم
وهذه آثار طبيعية ناشئة عن الصدق والتفاعل العاطفي دون تكلف. والخطيب يكتسب هذه المعاني العالية بالمعاملة الخاصة بينه وبين الله تعالى، وبأعمال السّر، وخبيئة الصالحين ... وقيام الليل ومجالس الذكر ... والعمل بالعلم
وفي الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ليلة أسري به رجالا تقرض شفاههم بمقارض من نار فقال: من هؤلاء؟ فقال جبريل عليه السلام: هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب
ثانيا: توافر الأهلية اللازمة والمؤهلات الخاصة
إن كل عمل يتطلب نوعا من المؤهلات المعنوية والمواصفات الحسية بحيث يكون الشخص أقرب إلى النجاح وتحقيق المقصود وخاصة إذا كان من الأعمال القيادية، ومنها بلا شك خطبة الجمعة ودعوة الناس، وبالتالي فخطبة الجمعة ليست كلأ مباحا لكل أحد ولا حقا متاحا لكل من قرأ وكتب.
قال الإمام الغزالي رحمه الله
الوعظ زكاة نصابه الاتعاظ، فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة
وعند استعراض التاريخ نجد أنه لم يكن يتصدر لخطابة الناس وتوجيههم إلا العلماء الراسخون الذين جمعوا بين الفقه بالدين والخبرة بالحياة والحكمة في التعامل مع الناس وحسن البيان وصدق التدين من أمثال ابن الجوزي والعز بن عبدالسلام. إن الخطأ يكمن في أن تتحول الخطابة والإمامة إلى مجرد وسيلة للتكسب وتحصيل الرزق وتحسين الدخل المادي!! مع أن المكافآت الموضوعة للأئمة والخطباء في أكثر العالم الإسلامي لا تشجع على التنافس ... فهذه النظرة المادية تفتح الباب ليعتلي المنابر من ليس أهلا لها لضعفهم العملي وفقرهم الفكري والبياني وضعف رصيدهم من التجربة والحنكة، فتكون الضحية هي الأمة المجتمعة في المساجد ما بين شخص يجد في فترة الخطبة فرصة للقيلولة وآخر يجد فيها فترة عصيبة تولد القرحة في المعدة أو رفع الضغط.
وبرنامج صناعة الخطباء يجب أن يكون له جوانب ثلاثة رئيسية
أ - التأهيل العلمي والمعرفي بإعطائهم جرعات علمية قوية تؤهلهم لفهم القضايا واستيعابها، ويشمل ذلك العلم بالشريعة والعلم بالحياة.
ب - التأهيل الروحي والأخلاقي بحيث يمتلك الخطيب الشحنة الإيمانية والجرعة الأخلاقية اللازمة للتأثير في الناس.
ت - التأهيل المهاري والفني المرتبط بأساليب الإقناع وطرائق الخطابة كتنويع نبرات الصوت ونحوه. يقول الجاحظ
رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحها رواية الكلام
ثالثا: الإعداد الجيد للخطبة
إن من أهم نجاح الخطبة الإعداد لها بصورة جيدة من باب قوله صلى الله عليه وسلم
إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه
رواه أبو يعلى
وهذا الإعداد الجيد فيه احترام لرسالة المنبر، واحترام للناس وتقدير لأوقاتهم فإنهم تركوا حركتهم الدنيوية من أجل الفائدة والذكر، وإذا لم يتحقق هذا المقصود فنكون قد تسببنا في تضييع أوقات ثمينة للأمة دون تحقيق الثمرة المرجوة.
لقد كان زهير بن أبي سلمة يصوغ قصيدته أربعة أشهر ثم يهذبها أربعة أشهر ثم يعرضها على نقاد الشعر في أربعة أشهر ثم يعلنها على الناس ولذا سميت قصيدته بالحوليات.
رابعا: الأصالة والموضوعية
فالخطبة يجب أن تستند على معلومات صحيحة وبيانات موثقة، لا الخرافات والأساطير والإشاعات والأحاديث الموضوعة، وإنما يستقي الخطيب معلوماته من المصادر الموثوق بها، وينبوع الوحي الصافي، ثم يضفي عليه من إشراقاته البيانية وأنواره الفكرية ما يعمق الفكرة في قلوب الناس ويولد التأثير فيها.
وهو في عرضه للأفكار مثل صاحب السلعة الواثق من سلامة بضاعته، فهو يحسن عرضها ويتأنق في صورتها حتى تتقبلها أذواق الناس، وإن كان الخطيب لا يروج بضاعة مادية ولكنه يشوق القلوب إلى الخير والهدى. وكان رئيس الرؤساء في بغداد قد أمر الخطباء والوعاظ ألا يرووا حديثا حتى يعرضوه على الخطيب البغدادي، فما صححه أوردوه في خطبهم، وما لم يصححه لم يذكروه
خامسا: المعاصرة و مراعاة هموم الناس
(يُتْبَعُ)