فهرس الكتاب

الصفحة 17563 من 28557

إن المقصود من الخطبة في الأساس هو تذكير الناس وتوجيههم لعلاج مشكلاتهم، وإرشادهم لتحقيق الحياة الفاضلة في واقعهم، ومن هنا كان لزاما على الخطباء العناية بهموم الناس ومشكلاتهم العملية وعلاجها في ضوء الإسلام. لقد كان الأنبياء دعاة إلى الإيمان ومصلحين ومشاركين في حل المشكلات الحياتية والأخطاء السلوكية، فهذا شعيب عليه السلام قد عني ضمن دعوته الإصلاحية بمشكلة انحراف ضمائر التجار والتطفيف في الكيل فقال قوله تعالى

أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم

وضمائر التجار إذا انحرفت نشأت عنها أزمات عامة مثل الغلاء والاحتكار والتضخم والربا ...

وعالج لوط عليه الصلاة السلام مشكلة الشذوذ الجنسي فقال قوله تعالى

أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم بل أنتم قوم عادون

وتصدى يوسف عليه الصلاة والسلام لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعرض لها الشعب المصري، واستطاع من خلال خطة اقتصادية محكمة أن يتجاوز العاصفة والأزمة الاقتصادية.

إنه من الخطأ الكبير أن يتجاهل الخطباء مشكلات الناس وقضايا المجتمع وينصب حديثهم في قضايا نظرية أو مسائل مكررة ملّ الناس من كثرة الحديث عنها، وهم يساهمون في ذلك من حيث لا يشعرون في تخدير الأمة واستمرار أزماتها وتخلفها .. فهم كالطبيب الذي يحدث المريض المصاب بالسرطان مثلا عن الصداع وتسوس الأسنان.

سادسا: مراعاة ظروف الناس وتقدير أحوالهم

إن الخطيب الناجح هو الذي يراعي ظروف الناس، ويدرك أن رواد المسجد فيهم المريض والكبير والضعيف وذو الحاجة ... فلا يجعل من الخطبة سببا لتنفير الناس عن الخير ... وهذا أصل عام في الخطاب والتعامل مع الآخرين سواءً في ميدان العبادة أم ميدان الخطبة كما جاء في الحديث الشريف

إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة

وقال صلى الله عليه وسلم

إني لأدخل في الصلاة وأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز رحمة بأمه

ومن هنا جعل تقصير الخطبة من علامات فقه الخطيب وحكمته كما قال صلى الله عليه وسلم

إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا

رواه مسلم

فتقصير الخطبة مستحب شرعا ولكن كما قال النووي

يكون قصرها معتدلا ولا يبالغ بحيث يمحقها

وإنما الخطيب مثل الطبيب يصف للناس القدر الكافي من الدواء الذي يحصل به المقصود. قال جابر بن سمرة رضي الله عنه

كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا

بل ذهب ابن حبان إلى وجوبه كما عنون لذلك في صحيحه 7/ 41

سابعا: الانطلاق من قاعدة الترغيب والرحمة بالناس

إن الخطيب الناجح هو الذي يدرك أن رسالته رسالة رحمة و هداية و تسامح وليست رسالة عنف وإكراه واستعلاء, فيخاطب الناس من هذا المنطلق ويترفق بهم في التوجيه عملا بقوله تعالى

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

وقوله تعالى

فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر

ولما أراد الله تعالى تكميل موسى عليه السلام أرسله لصحبة العبد الصالح الخضر لأنه جمع بين وصفين هما (العلم والرحمة) كما قال سبحانه تعالى في سورة الكهف

فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدن علما

فأمره بصحبة هذا النبي الصالح لأنه جمع بين هذين الوصفين الكريمين وهما العلم والرحمة.

إن المبالغة في استخدام أسلوب الترهيب والتخويف بالنار واللعنة ينفر الناس من الدين، ويعطي الحاضرين انطباعا شديدا قاسيا عن الدين بخلاف أسلوب الترغيب والتشويق فإنه يحرك النفوس ويجعلها أقرب لتقبل التوجيه، حتى إن الجرجاني وغيره لما عرفوا الخطابة قالوا

ترغيب الناس فيما ينفعهم معاشا ومعادًا

فجعل حقيقة الخطابة هي الترغيب.

وعند التأمل في الخطاب النبوي نجد الغالب فيه هو الترغيب بذكر الأجر والثواب وفضائل الأعمال كما يدل عليه استعراض كتب السنة الشريفة.

ثامنا: البيان وحسن التعبير

من معالم الخطبة الناجحة وأسباب تأثيرها تميز الخطيب بحسن البيان، وجمال التعبير وسلامة الخطيب من اللحن وعيوب اللسان والصوت، فقد كان أهل الحي يذمون بذلك كما قال الصاحب بن عباد رحمه الله

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت