فهرس الكتاب

الصفحة 17564 من 28557

يا أهل سارية السلام عليكم ** قد قلّ في أرضيكم الخطباء حتى غدا الفأفأء يخطب فيكم ** ومن العجائب خاطب فأفأء

إن الله تعالى لما خاطب الناس بالقرآن الكريم, خاطبهم بلسان فصيح وعبارات جزلة، وألفاظ بليغة، حتى صار القرآن معجزا بلاغيا حتى اعترف بذلك خصوم القرآن ومنهم الوليد بن المغيرة فقال

والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطراوة، وإن أعلاه لمثمر، وأسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه

والطلاوة -بالضم والفتح- الحسن والرونق

وقد استحب الفقهاء أن تكون الخطبة فصيحة بليغة لأنها أقوى في التأثير، ولا يلقيها بالألفاظ المبتذلة ولا الوحشية التي لا يفهمها الناس، ولا يبالغ حتى يُغرب في الألفاظ فلا يفهمه الناس ولذا قال علي رضي الله عنه

حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله

رواه البخاري

ونحن لا نطالب الخطباء أن يصلوا إلى مستوى الجاحظ وابن قتيبة وواصل بن عطاء رحمهم الله الذي كان يتجنب حرف الراء في خطبه كلها!! ولكننا نريد قدرًا وسطا على الأقل من البيان وجمال التعبير، وذلك يحصل بالقراءة في كتب الأدب والشعر والبلاغة فإنها تكسب لسان الخطيب فصاحة وجمالا.

تاسعا: الثقافة الواسعة المتنوعة

إن الخطيب يعرض على الناس عقله كما قال عبد الملك بن مروان، فإن كان قليل العلم ضعيف الثقافة لم يؤثر في الناس، واهتزت ثقافة الناس به فلا بد من العلم والمعرفة وإلا صار كالأعمى الذي يقود الآخرين، وفي الحديث الشريف

إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء

والعلم الذي يحتاج إليه الخطيب نوعان

1 -علم بالشريعة والدين الذي ينطلق منه لهداية الناس.

2 -علم بالحياة والأحياء وواقع الناس، فهو كالطبيب الذي يجب أن يكون على دراية بالمريض حتى يحسن علاجه.

ويدخل في ذلك أنواع من العلوم والمعارف كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ حتى يساعده ذلك على حسن التوجيه كما قال الخطيب البغدادي في حق الفقيه المفتي يجب عليه أن يتعلق من كل علم بطرف

نقد واقع الخطباء

إن الخطباء في المساجد هم دعاة الإسلام وحماة الشريعة، ونواب النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه أمته، ولهذا يكن لهم الجمهور الحب والاحترام والتقدير، ولكن ذلك لا يعني ادعاء العصمة لهم فهم بشر يصيبون ويخطئون، وفي كثير منهم ألوان من القصور وأنواع من التعقيد وعدم التأثير. ولهذا كان من حقهم علينا النصيحة والنقد الهادف لممارساتهم في الخطبة، كما قال صلى الله عليه وسلم

الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم

رواه مسلم

وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم نقد الخطيب عمليا فقال لخطيب من الخطباء

بئس الخطيب أنت

لما قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى

رواه النسائي برقم5530 وأبو داود برقم1099 وفي راوية أبي داود ولكن قل: (ومن يعص الله ورسوله فقد غوى

ورواه مسلم

واختلف العلماء في سبب الذم هنا على أقوال

1 -التشريك في الضمير لأنه يقتضي التسوية فأمره بالعطف تعظيما لله تعالى بتقديم اسمه كما في الحديث الآخر

لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان

وهذا قول القاضي عياض وغيره رحمهم

2 -الاختصار في مواطن البسط والإيضاح، فالخطبة يقصد بها الاتعاظ وهذا يقتضي الإيضاح واجتناب الرموز كما جاء في خطبة الحاجة، وأما ما ورد من استعماله في بعض الأحاديث فلأنه في مقام التعليم والأحكام، وهذا اختيار النووي في شرح مسلم 6/ 159.

3 -أنه من الخصائص بذلك الخطيب دون غيره: (بئس الخطيب أنت) لما قال: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى) رواه النسائي برقم5530 وأبو داود برقم1099 وفي راوية أبي داود ولكن قل: (ومن يعص الله ورسوله فقد غوى

ورواه مسلم

4 -أنه واقعة عين لا عموم لها.

5 -أنه بسبب الوقف والسكوت عنه (ومن يعصهما) ثم قال فقد غوى، وبه قال يوسف الحنفي في المعتقد.

ولكن نقد الخطباء يجب أن ينطلق من دافع المحبة للمنصوح والرغبة في تكميله وليس من دافع العداوة والرغبة في تنقيصه، وهذا أمر يرجع إلى نوايا القلوب التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب.

ومن الإنصاف أن نقرر بأن عدم انتفاع الناس بالخطب ليس بالضرورة أن يكون سببه قصور الخطباء، ولكن قد يكون بسبب موانع لدى بعض السامعين وضعف تركيزهم وقسوة قلوبهم كما قال الشاعر

وما قبلت نفسي من الخير لفظة ** وإن طال ما فاهت به الخطباء

والله أعلم

مع الشكر الجزيل لموقع علماء الشريعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت