فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فإن قالوا: اليد هي بمعنى النعمة استحال المعنى و إن قالوا: هي بمعنى القدرة، قلنا لهم: كل شيء خلقه الله بقدرته فلم يعد لهذه الثلاثة مزية تذكر بها.
ونحن إذا دخلنا مع الأشاعرة في أصولهم الكلامية وجدناهم يفسرون الخلق بنظرية يونانية وثنية هي النظرية الذرية، و التي خلاصتها أن الله عاجز أن يخلق مخلوقا كاملا بدون التدخل المستمر، و أن ما يخلقه الله هو أشبه بالدمى لا حياة فيها ولا قدرة لها لأنهم ينفون عن المخلوق الفعل و الاختيار، فالله عز وجل في الاعتقاد الأشعري إله جبار قادر فقط، بينما الله في كتابه و في سنة رسوله وفي اعتقاد أهل السنة و الجماعة و أكثر العقلاء إله قادر حكيم كامل، والفرق بين التصورين هو أن التصور الأشعري يصف الله عز وجل بالقدرة المحضة فقط مما يستلزم معه نسبة العبث لفعله سبحانه و تعالى، بينما في التصور الثاني يفعل الله بحكمة و اختيار، المهم توضيح كل هذا في موضعه.
قلت: وهذا غير متوفر بهذا الشكل في العصور المختلفة، فقد حرم الله كثيرا من الأشياء بنص القرآن و حرمه الرسول في أحاديث صحيحة، و مع ذلك تتعاطه بعض الأمة، ومنها من تعتقد إباحته مثل السحر و التعاويذ الشركية.
ثم عرف الشافعي ـ رحمه الله ـ علم الخاصة فقال:"ما ينوب العباد من فروع الفرائض و ما يخص به من الأحكام و غيرها، مما ليس فيه نص كتاب، ولا في أكثره نص سنة، و إن كانت في شيء منه فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل و يستدرك قياسا".
قلت: فقد جعل الشافعي علم الخاصة ما لا يوجد فيه نص من القرآن و لا من السنة إلا في النادر من الأخبار، التي لا يعرفها إلا الخاصة، ومعلوم أن كثيرا من المسائل التي تنكرها الطوائف فيها نصوص كثيرة من القرآن و السنة و أحيانا فيها إجماع السلف الصالح، ومع ذلك تنكرها هذه الطوائف كما مثلنا في هذا المقال.
وعليه و جب أن نقول: علم العامة حجة على العامة، و علم الخاصة حجة على الخاصة، و العلم المشترك بينهم وهو المعلوم من الدين بالضرورة حجة عليهم جميعا، فلا يمكن أن نحصر التكفير في هذا وحده، فإن من المسائل التي لا تعلمها العامة هي معلومة بالضرورة من دين الرسول عند الخاصة [أي لا تحتاج إلى نظر أو استدلال] ، وتوقيف التكفير فيها على علم العامة توقيف المعلوم على المجهول، فإذا عرف احد الخاصة النصوص القرآنية و النبوية الكثيرة و كلام أئمة السلف من الصحابة و التابعين الثابت عنهم بالسند فينكرها، لأخذه بأصل عقلي ما أنزل الله به من سلطان كتماثل الأجسام و الجواهر، فعلمه حجة عليه.
و قد كفر السلف الصالح من ينكر علم الله السابق، ومع ذلك قد يوجد في الأمة من ينكره ولا يكفر، كما أنكرته عائشة في الحديث المشهور حتى بين لها النبي صلى الله عليه و سلم ذلك، فالتكفير موقوف على بيان الرسول وعلم كل واحد به.