فهرس الكتاب

الصفحة 17575 من 28557

ـ [السكران التميمي] ــــــــ [07 - May-2009, مساء 02:20] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: [ن والقلم وما يسطرون] .

والقلم في اللغة: ما يكتب به، والمراد به هنا شرعا: القلم الذي خلقه الله، وكتب به المقادير في اللوح المحفوظ.

فنؤمن بجميع ما كتب به القلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت:"إِنَّ أَوَّلَ ما خَلَقَ الله الْقَلَمَ فقال له: اكْتُبْ. قال: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ. قال: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كل شَيْءٍ حتى تَقُومَ السَّاعَةُ".

وقد اختلف العلماء في القلم والعرش أيهما أسبق في الوجود؟ على قولين: أصحهما أن العرش كان قبل القلم.

والدليل على ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم:"كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قبل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وكان عَرْشُهُ على الْمَاءِ".

ووجه الدلالة: أن الحديث صريح في أن التقدير إنما وقع بعد خلق العرش، فدل على أن العرش مخلوق قبل القلم، والتقدير وقع عند أول خلق القلم بلا مهلة، بمعنى: أن الله أول ما خلق القلم كتب به المقادير؛ لما رواه أبو داوود عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إِنَّ أَوَّلَ ما خَلَقَ الله الْقَلَمَ فقال له: اكْتُبْ .."الحديث، يعني: أنه عند أول خلقه القلم قال له اكتب بدليل الرواية الأخرى"أول ما خلق الله القلمَ قال له: اكتب"بنصب (أول) على الظرفية، ونصب (القلمَ) على المفعولية؛ فيكون قوله:"إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب"جملة واحدة.

أما على رواية رفع (أولُ) و (القلمُ) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم المحسوس المشاهد، ويكون قوله:"أول ما خلق الله القلم وقال له: اكتب"جملتين ليتفق الحديثان.

إذا: حديث عبد الله بن عمرو أفاد أن العرش سابق على التقدير، وحديث عبادة بن الصامت أفاد أن التقدير مقارن لخلق القلم؛ يوضحه اللفظ الآخر:"لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى القلم بما هو كائن على يوم القيامة"فهو يوضح أن الأولية بالنسبة للكتابة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى ج11/ص230) :

وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو (العقل الأول) وعنه صدر كل ما دونه، و (العقل الفعال العاشر) رب كل ما تحت فلك القمر.

وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله، وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى"إن أول ما خلق الله العقل فقال له: اقبل فأقبل، فقال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك، فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب"ويسمونه أيضا (القلم) لما روي"إن أول ما خلق الله القلم .."الحديث، رواه الترمذي.

والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والدار قطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع هذا فلفظه لو كان ثابتا حجة عليهم؛ فان لفظة"أول ما خلق الله تعالى العقل قال له"ويروى"لما خلق الله العقل قال له"فمعنى الحديث: أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، ليس معناه أنه أول المخلوقات، و (أول) منصوب على الظرف كما في اللفظ الآخر"لما"، وتمام الحديث:"ما خلقت خلقا أكرم على منك"فهذا يقتضى أنه خلق قبله غيره، ثم قال:"فبك آخذ وبك أعطى ولك الثواب وعليك العقاب"فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسفلى صدر عن ذلك العقل فأين هذا من هذا.

وسبب غلطهم: أن لفظ (العقل) في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان؛ فإن (العقل) في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا كما في القرآن [وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] [إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون] [أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها] ويراد (بالعقل) : الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها، وأما أولئك فالمراد (بالعقل) عندهم: جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقا للغة الرسل والقرآن، وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد: عالم الأجسام العقل والنفوس، فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى العقل (عالم الجبروت) والنفوس (عالم الملكوت) و الأجسام (عالم الملك) ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا وليس الأمر كذلك.

وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسا كثيرا.

قال: وغاية حقيقة هؤلاء إنكار (أصول الإيمان) بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق؛ فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق وقالوا: الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فان الموجودات تشترك في مسمى الوجود كما تشترك الأناسي في مسمى الإنسان والحيوانات في مسمى الحيوان؛ ولكن هذا المشترك الكلى لا يكون مشتركا كليا إلا في الذهن، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفرس ووجود السماوات ليس هو بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق جل جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته.

وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء ولكن لما كان الكلام في أولياء الله والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاء لولاية الله وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان نبهنا على ذلك ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الحالات الشيطانية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت