فهرس الكتاب

الصفحة 17628 من 28557

وأيضا فإنه يقال صحبه ساعة وصحبه سنة وشهرا فتقع على القليل والكثير فإذا أطلقت من غير قيد لم يجز تقييدها بغير دليل بل تحمل على المعنى المشترك بين سائر موارد الاستعمال

ولا ريب أن مجرد رؤية الإنسان لغيره لا توجب أن يقال قد صحبه ولكن إذا رآه على وجه الاتباع له والاقتداء به دون غيره والاختصاص به ودليل ثان ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:"وددت أني رأيت إخواني قالوا يا رسول الله أولسنا إخوانك قال بل أنتم أصحابي وإخواني الذين يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني ومعلوم أن قوله إخواني أراد به إخواني الذين ليسوا بأصحابي وأما أنتم فلكم مزية الصحبة ثم قال قوم يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني فجعل هذا حدا فاصلا بين إخوانه الذين ود أن يراهم وبين أصحابه فدل على أن من آمن به ورآه فهو من أصحابه لا من هؤلاء الإخوان الذين لم يرهم ولم يروه فإذا عرف أن الصحبة اسم جنس تعم قليل الصحبة وكثيرها وأدناها أن يصحبه زمنا قليلا فمعلوم أن الصديق في ذروة سنام الصحبة وأعلى مراتبها"انتهى كلام شيخ الإسلام.

ومن الأدلة التي استدل بها الشيخ العلامة عبد المحسن العباد في كتابه"الانتصار للصحابة الأخيار في رد أباطيل حسن المالكي - (ج 1 / ص 21) "لصحة هذا التعريف ما رواه"البخاري في الأدب المفرد (87) قال: حدَّثنا بِشر ابن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا صفوان بن عمرو قال: حدَّثني عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه قال: (( جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرَّ به رجلٌ، فقال: طوبَى لِهاتَين العينين اللَّتين رأَتا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، والله! لوَدِدنا أنَّا رأينا ما رأيتَ، وشهدنا ما شهدتَ، فاستُغضِب، فجعلت أَعْجَب: ما قال إلاَّ خيرًا! ثمَّ أقْبَلَ عليه فقال: ما يَحمل الرَّجلَ على أن يتمنَّى مَحضرًا غيَّبه الله عنه؟ لا يدري لو شَهدَه كيف يكون فيه؟ والله! لقد حضر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أقوامٌ كبَّهم الله على مناخرِهم في جهنَّم؛ لَم يُجيبوه ولَم يُصدِّقوه، أوَ لا تَحمدون الله عزَّ وجلَّ إذ أخرجكم لا تعرفون إلاَّ ربَّكم فتُصدِّقون بِما جاء به نبيُّكم - صلى الله عليه وسلم -، قد كُفيتُم البلاء بغيركم ... ) )الحديث وقد أورد الحديثَ ابنُ كثير في تفسيره في آخر سورة الفرقان من مسند الإمام أحمد، وقال: (هذا إسنادٌ صحيح ولَم يخرجوه) ."

وهو يدلُّ على أنَّ التابعين يَرون أنَّ شَرَفَ الصُّحبةِ يَحصُل برؤيتِه - صلى الله عليه وسلم - مع الإيمان به؛ ولَم يُنكر ذلك المقداد رضي الله عنه، وإنَّما غضب لِتمنِّي أمرٍ لا يدري المُتمنِّي ماذا يكون حالُه عند حصولِه،"انتهى كلام العباد حفظه الله."

وقد صحح الحديث الذي احتج به أيضا شيخنا الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة.

وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم - (ج 1 / ص 35)

"فأما الصحابى فكل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ولو لحظة هذا هو الصحيح في حده وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبى عبد الله البخارى في صحيحه والمحدثين كافة وذهب أكثر أصحاب الفقه والأصول إلى أنه من طالت صحبته له صلى الله عليه و سلم قال الإمام القاضي أبو الطيب الباقلانى لاخلاف بين أهل اللغة أن الصحابى مشتق من الصحبة جار على كل من صحب غيره قليلا كان أو كثيرا يقال صحبه شهرا ويوما وساعة قال وهذا يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي صلى الله عليه و سلم ولو ساعة هذا هو الأصل قال ومع هذا فقد تقرر للأمة عرف في أنهم لايستعملونه الا فيمن كثرت صحبته واتصل لقاؤه ولا يجرى ذلك على من لقي المرء ساعة ومشى معه خطوات وسمع منه حديثا فوجب أن لا يجرى في الاستعمال إلا على من هذا حاله هذا كلام القاضي المجمع على أمانته وجلالته وفيه تقرير للمذهبين ويستدل به على ترجيح مذهب المحدثين فإن هذا الإمام قد نقل عن أهل اللغة أن الاسم يتناول صحبة ساعة وأكثر أهل الحديث قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة فوجب المصير إليه والله أعلم"انتهى كلام النووي.

وقد رد ابن حزم رحمه الله على من يشترط في الصحابي تكرر رؤيته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في كتابه"الإحكام"- (ج 5 / ص 665) :

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت