فهرس الكتاب

الصفحة 1767 من 28557

ـ [إياد القيسي] ــــــــ [31 - Jul-2010, صباحًا 12:59] ـ

هذا بحث لصديقنا وأستاذنا الأخ رعد عبد العزيز والمنشور في مجلة الحكمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

المشاركة في البرلمان والوظائف العامة

بقلم: رعد عبد العزيز أبو بكر البغدادي

البحث في هذا الموضوع هو تعبير ظاهر عن ضعف الأمة وتفرقها، إذ الأصل أن يكون الدين ظاهرا فيها وأن يكون الحكم لله. ولكن الله تعالى جعل هذا الدين حيا في الضعف والقوة، وجعله صالحا لكل زمان ومكان وحال. وجعل فيه معاني ثابتة تعبر عن مقاصده وأصوله. ومن عظمة هذا الدين أنه دين متجدد، يتفاعل مع الحياة، كما قال صلى الله عليه وسلم (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها) . وإن من أعظم أسباب هذا التجدد تلك الأصول الربانية التي تفرق بين المختلفات، وتفرق بين الكلي والجزئي، والثابت والمتغير، والمصلحة والمفسدة، وبين العبادة والعادة.

وعند الكلام على موضوع المشاركة في البرلمان والوظائف العامة، فمن المناسب استذكار الأصول التالية:

1 -الأصل في المعاملات العامة الحل، والأصل في العبادات التحريم.

ذلك أن المشاركة في البرلمان والوظائف العامة هو من المعاملات التي يكون الأصل فيها الحل إلا ما نص عليه الشارع. فينظر ما هي المحضورات التي تتضمنها هذه المشاركة.

2 -الأصل في العقود والشروط الحل.

وهنا ينظر إلى عقود رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهوده وشروطه مع الكفار، لا سيما صلح الحديبية وحلف الفضول. وكذلك تأثير الشروط الباطلة على العقد، وأن هذه الشروط لا تبطل العقد إذا أهملت. أما إذا نفذت مع بطلانها فإن ذلك يخضع إلى أصل تزاحم الأحكام الشرعية، فيمكن أن يكون ذلك مشروعا إذا غلبت مصلحة العقد على مفسدة الشرط الباطل.

3 -إن قبول الوظائف عند الكفار أمر مشروع في الدين إذا كان القصد منه استحصال المصلحة أو جزئها، أو تعطيل المفسدة أو تقليلها. وأن نبي الله يوسف عليه السلام قد فعل ذلك كما أخبر الله، وكذلك النجاشي رضي الله عنه وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4 -إن الإسلام جاء بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإن عجز عن تحصيل كامل المصلحة وقدر على جزئها وجب ذلك، أو عجز عن تعطيل كامل المفسدة وقدر على تقليلها وجب ذلك.

وهذا أصل عظيم في فهم الحكم الشرعي للمشاركة بالبرلمان، حيث يختلط وجود المصالح والمفاسد في مثل هذه العقود. وإن قبول المحرم شرعا في المشاركة في البرلمان هوعلى أساس احتمال المفسدة الأدنى لتفويت المفسدة الأعظم وهو أمر مشروع.

5 -تعليل الأحكام الشرعية، وأنه ليس في الشرع على العموم فعل مأمور به ليس فيه مصلحة إلا مجرد الطاعة.

وهو أصل عظيم في فهم أن الدين يراعي المصالح والمنافع في جميع أحكامه، وأن ذلك أصل لا ينفك عن الحكم الشرعي، ومنه مسأله المشاركة في البرلمان.

6 -التفريق بين الأحكام الراتبة والأحكام العارضة أصل عظيم في الشريعة.

وهذا معيار أساس في فهم تزاحم وتباين الأحكام. إذ الأحكام في الأوقات العادية الراتبة تختلف عن أحكام الرخص والحرج والضعف ونحو ذلك. وبالتالي فإن الكلام في باب المشاركة في البرلمان والوزارة في هذا الزمن هو من باب الأحكام العارضة، وليس هو من باب الأحكام الراتبة.

7 -وعلى القاعدة السابقة فإن ما يسمى (موالاة الكفار) في الأحكام الراتبة لا يسمى كذلك في الأحكام العارضة، لا سيما مع ظهور (المناسبة) . وكذلك كل ما يدل بظاهره على موالاة الكفار والتعاون معهم على ما يحقق للمسلمين تحصيل المصلحة أو جزئها أو تعطيل المفسدة أو تقليلها فهو أمر مشروع في هذا الباب (باب الأحكام العارضة) ، لا سيما إذا قام بذلك من هو معروف بصدق دينه. (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة) .

8 -هناك فرق بين القبول بالكفر والمحرمات والرضا بالكفر والمحرمات، فالقبول يمكن في الأحكام العارضة (بحسب الحال) دون الأحكام الراتبة، أما الرضا فلا يمكن في كل الأحوال، كما هو معلوم في أحكام الإكراه. وفي باب المشاركة في البرلمان فإنه قد تقبل بعض الشروط الباطلة، ولكن هذا لا يعني الرضا بها، فلا يحكم على أصحابها على أساس أنهم رضوا بالباطل فإن الرضا فعل قلبي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت