فهرس الكتاب

الصفحة 17708 من 28557

ومن عجيب خبره أنه لما أتم السادسة عشر من عمره, أرسله أبوه لغزو الروم, وكانت ملكتهم تُسَمَى (رنى ولقبها أغسطة) , فهزمهم الرشيد شر هزيمة, فعرضت الملكة التسليم على أن تُعطى الجزية عن يد وهى صاغرة, فقبل هارون, وليس هذا هو العجب بل العجب (الذى يبعث على التحسر على زمانهم) , أنه بعد سنين بعد أن آلت الخلافة إلى هارون عُزِلت أغسطا وتولى بعدها ملك يدعى (نقفور) فأرسل رسالة إلى هارون قال فيها:

(من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فان الملكة التي كانت قبلى أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليها وذلك من ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلى ماحملته إليك من الأموال وافتد نفسك به وإلا فالسيف بيننا وبينك) ,

فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه ولا يستطيع مخاطبته وأشفق عليه جلساؤه خوفا منه ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب:

(بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام) (انظر إلى العزة, رحم الله هرون) ,

وخرج بنفسه على رأس جيش حتى بلغ باب هرقلة ففتحها واصطفى ابنة ملكها وغنم من الأموال شيئا كثيرا فطلب نقفور منه الموادعه على خراج يؤدية إليه في كل سنة فأجابه الرشيد إلى ذلك فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض الكافر العهد وخان الميثاق وكان البرد قد اشتد جدا فلم يقدر أحد أن يجئ فيخبر الرشيد بذلك لخوفهم على أنفسهم من البرد حتى يخرج فصل الشتاء (لأنهم يعلمون أنه لو علم سينهض للجهاد من فوره) ,

وكان مولده بالري في سنة ثمان وأربعين ومائة,

قال عنه ابن كثير: وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج احج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة ,

قال الذهبي في السير: قيل: إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق بألف، وكان يحب العلماء، ويعظم حرمات الدين، ويبغض الجدال والكلام، ويبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيما إذا وعظ ,

ووعظه الفضيل مرة حتى شهق في بكائه,

ولما بلغه موت ابن المبارك، حزن عليه، وجلس للعزاء، فعزاه الأكابر , (كان يجل أهل العلم) ,

قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي -صلى الله عليه وأله وسلم- بين يدي الرشيد إلا قال: صلى الله على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى, ورويت له حديثه: وددت أني أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيي ثم أقتل فبكى حتى انتحب ,

نور الدين زنكي:

ومن ثم كانت عادة نور الدين كما يقول أبو شامة:"إنه لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلا ضرورة، إما ليستعين على قتال الفرنج، أو للخوف عليها منها كما فعل بدمشق ومصر وغيرها. لقد كان الدم عنده عظيما، لما كان قد جبل عليه من الرأفة والرحمة والعدل."

قوة الشخصية

كان نور الدين محمود قوي الشخصية، قديرًا على الوقوف في نقطة التوازن بين الصرامة والمرونة، والشدة واللين، والعنف والرحمة، وقد وصفه ابن الأثير بأنه كان:"مهيبًا مخوفًا مع لينه ورحمته وأنه كانت إليه النهاية في الوقار والهيبة شديدًا في غير عنف، رقيقًا في غير ضعف".

مجلسه

ويصف مجلسه فيقول:"وكان مجلسه كما روي في صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس حلم وحياء، لا تؤبن فيه الحرم، ولا يذكر فيه إلا العلم والدين وأحوال الصالحين والمشورة في أمر الجهاد، وقصد بلاد العدو، ولا يتعّدى هذا"..

وقال الحافظ ابن عساكر الدمشقي:"كنا نحضر مجلس نور الدين فكنا كما قيل: كأن على رؤوسنا الطير تعلونا الهيبة والوقار وإذا تكلم أنصتنا، وإذا تكلمنا استمع لنا"

وقال ابن كثير:"لم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى، صموتا وقورًا".

تواضعه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت