وقد دلت الشريعة في باب الأعياد على صحة هذا الاتجاه؛ فعن أنس بن مالك t قال: قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال e: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما فِي الجاهلية؛ فقال رسول الله e:"إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر". رواه أبو داود في"سننه" (1/ 295) .
وقال e:"يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب"رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر t .
فقوله:"أبدلكم"دليل على إبطال كل عيد وإلا لزادهم من أعياد الإسلام دون إبطال الأعياد الحالية. وقوله:"عيدنا أهل الإسلام"دليل على أن ما سواها أعيادُ غير أهل الإسلام.
ثم تأيدت هذه الأدلة بالهدي الظاهر للسلف؛ فلم يظهر في ديار الإسلام بعد إيقاف الرسول صلى الله عليه وسلم الأعياد السابقة، وإبدالها بأعياد الإسلام أي عيد طيلة القرون الثلاثة المفضلة تعبدية كانت أو عادية، حتى أحدث العبيديون عيد المولد؛ وذلك رغم أن للأمم المجاورة أو المخالطة للمسلمين أعيادًا تعبدية وعادية؛ يقصد منها الاحتفاء بزمان أو شخص؛ كعيد الشعانين ومولد عيسى عليه السلام للنصارى، والنيروز للفرس وغيرها من الأعياد؛ لاسيما والأمة فِي هذه القرون كانت تأخذ الكثير من المفيد النافع من الأمم الأخرى؛ فتركها لهذه الأعياد رغم وجودها دليل على إعراضها عنها ديانة.
ولو قال قائل: إن هذا إجماع لكان له وجه، وحتى لو لم يصح إجماعا فإنه ظاهر جلي في فهم السلف لهذه النصوص، وأنها تدل على عدم مشروعية الأعياد المحدثة.
هذا وليس من الأصول المعتبرة ولا المشارع الصحيحة عند أهل العلم إجراء القياس فيما سبيله التعبد المحض؛ لوجوه:
الوجه الأول: أن إجراء القياس مسألة عقلية، والعبادات مبناها على التعبد المحض المنافي للمناسبات العقلية التفصيلية؛ فلا قياس.
وبيانه أن القياس يقوم على إعمال العقل لاستنباط العلة من الأصل المقيس عليه، وإعمال العقل مرة أخرى لتحقق وجود هذه العلة فِي الفرع المقيس له.
فحيث لم يُعقل المعنى امتنع القياس فِي جعلها أصلًا أو فرعًا.
قال النووي فِي"المجموع" (3/ 342) : ( .. الصلاة مبناها على التعبد والاتباع والنهي عن الاختراع , وطريق القياس منسدة .. ) .
وقال الشاطبي فِي"الاعتصام" (2/ 62) عن العبادة: ( .. ولذلك حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها .. ) .
وقال البهوتي فِي"كشاف القناع" (2/ 478) ( .. ولا يصح القياس إلا فيما عُقل معناه، وهذا تعبدي محض) .
وانظر"البحر المحيط" (7/ 133) "، و"شرح الكوكب المنير" (537) ."
الوجه الثاني: أن الصحابة والتابعين والعلماء في القرون المفضلة لم يستعملوا القياس ليصححوا عبادة جديدة أو يزيدوا فيها بذلك.
الوجه الثالث: أن من شرط صحة القياس أن لا يعارض نصًا من الكتاب أو السنة، وكل قياس لإنشاء عبادة أو الزيادة فيها فهو معارِض للنص القطعي العام المانع من الإحداث.
فالعبادة المحضة التي تركها الرسول e والسلف مع قيام المقتضي لفعلها وانتفاء المانع منه هو كالنص منهم على النهي عن ذات الفعل فيُعتبر القياس معارضًا لهديهم؛ فهو باطل.
الوجه الرابع: أن القياس لا يُعمل إلا عند الضرورة؛ ولا ضرورة لإحداث عبادة لم تأت بِها الشريعة؛ بل الضرورة تقتضي ترك الإحداث.
جاء فِي"المدخل" (1/ 119) لابن بدران: ( .. عن أحمد قال: سألت الشافعي عن القياس؟ فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة) .
وكلام الإمام الشافعي رحمه الله يدل على أن القياس إنما يباح للضرورة حتى فِي المعاملات؛ فما بالك فِي منعه له فِي العبادات.
لذلك ترى أكثر العلماء الراسخين لا يُحسِّنون شيئًا من هذه المحدثات، أو يعلنون محبتها، أو يعملونَها، أو يتولون الحديث عنها تنظيرًا وقياسًا وتأليفًا ودرسًا.
(يُتْبَعُ)