فهرس الكتاب

الصفحة 18350 من 28557

وقد رأى بعض العلماء المعاصرين أن مناط الحكم بالمنع من الاحتفال بهذه المناسبات أو بعضها هو التشبه بالكفار في هذه الأعياد، وفيه نظر كبير؛ فلو كان هذا هو سبب منعها الوحيد لم تكن هذه الأعياد ممنوعة محرمة؛ لأن القاعدة في التشبه: أن ما لم يكن من خصائص مَنْ نُهينا عن التشبه بهم فلا يُعتبر تشبهًا مذمومًا، وهذه الأعياد لم تعد من خصائص الكفار؛ بل صار يشترك فيها المسلم والكافر؛ كبعض الملابس التي كانت خاصة بهم ثم صارت مشاعة بين الأمم؛ فلم يعد لبسها تشبهًا.

وإنما سبب المنع ما ذُكر من المقدمتين:

الأولى: أن الأعياد الشرعية من جملة التعبدات المحضة، وهي من الدين المنزل المحدود.

الثانية: أن مضاهاة هذا النوع من الدين بإحداث أعياد زائدة: بدعة في الشريعة.

فإذا تبينا كون هذه الأقوال والأفعال حدثا في الدين فلنحذر من فعل البدعة وقولها، قال الله تعالى:"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"، وقال: صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

وهذا عرض لبعض ما وقع فيه النزاع من الأعياد مع بناء الكلام فيها على هذه القاعدة:

عيد مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

إن سمة التعبد المحض في عيد المولد ظاهرة في اختيار الزمان دون معنى معقول، وفي هذا مضاهاة للمشروع. يوضح هذا أنه لا معنى عقليًا لاختيار الزمان ليكون وقتًا لتعظيم الرسول e ، فما المعنى العقلي المفهوم من قصر الاحتفاء بما ذُكر في زمان دون آخر؟ بل إن المناسبة العقلية الصحيحة هي في اختيار غير الزمان الذي وقع فيه الحدث الذي يراد الاحتفاء به؛ لأنه وقت نسيانه، ولأن زمان حدوثه هو: وقت تذكره؛ فالصمود إلى الزمان المعين نوع تحكم وتصميم لم يُعهد إلا من الشريعة في اختيار الأزمنة والأمكنة؛ فههنا كانت المضاهاة التي تحيل العمل العادي إلى عبادة مبتدعة.

ومما استدل به بعضهم لتصحيح عيد المولد ما أخرجه أحمد بسند صحيح إلى ابن سيرين رحمه الله قال: (نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول e المدينة قالوا: لو نظرنا يومًا فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا .. وفيه أنهم اختاروا الجمعة؛ فاجتمعوا فِي بيت أبي أمامه أسعد بن زرارة؛ فذُبحت لهم شاة فكفتهم.

وقالوا بأن هذا في حقيقته احتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم معين.

فالجواب يكون بعدم التسليم أن ذلك احتفال بالنبي e، ولو سُلم لكان قبل شرع صلاة الجمعة وخطبتيها؛ حيث جاء فِي رواية عبدالرزاق بسند صححه ابن حجر أن ابن سيرين قال: (وقبل أن تنْزل الجمعة) ، وفيها: فأنزل الله فِي ذلك بعدُ:"يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله"الآية.

فتركهم لهذا الاجتماع على يوم محدد ـ بعد نزول الجمعة ـ دليل على عدم مشروعية أي اجتماع آخر له سمة العيد، وفيه دليل أيضًا على أنهم يعرفون مثل تلك الأعمال؛ فتركوها اكتفاء بما شرعه الله يوم الجمعة من الصلاة والتذكير والوعظ في خطبتيها.

ثم إن هذا الاجتماع في دار أسعد بن زرارة إنما هو درس، ولم يكن الزمان مقصودا فيه؛ فلا يُسلم أنه عيد.

كما أورد بعضهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الاثنين:"ذلك يوم ولدت فيه"بأنه صلى الله عليه وسلم احتفل بيوم مولده بالصيام؛ فالجواب أنه تقرر أن الأعياد الشرعية من الدين المنزل المحدد؛ ولا مجال للقياس في العبادات المحضة؛ فاحتفالنا المشروع بمولده صلى الله عليه وسلم إنما يكون على الصفة الواردة، وهي صيام الاثنين فقط.

ولو صح هذا المنهج للزم أن نزيد ركعات في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصلاة خير موضوع فمن شاء فليستقل ومن شاء فليستكثر".

والذين يقيمون الموالد وإن كان الدافع لهم على ذلك محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، ويُشكرون على هذه المحبة فإنه ينبغي أن نعلم أن أعظم محبته هو ترسم منهجه والسير على طريقه.

الأعياد القومية:

وذلك كعيد النيروز أو عيد الجلوس أو عيد الثورة أو عيد الاستقلال وغيرها من الأعياد التاريخية والقومية والعرقية.

فسمة العيد شرعا وعرفا ظاهرة في هذه المناسبات فهي ممنوعة، وتعد محدثة مبتدعة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت