بل إنَّ (بوش) قد استشهد بآية قرآنية حيث أقام الرئيس السابق"بوش الابن"في البيت الأبيض، حفلًا دعي إليه دبلوماسيين مسلمين وشخصيات من الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة، وكان ذلك على شرفه لتناول طعام الفطور في شهر رمضان المبارك، وقد حض فيه الزعماء والمسؤولين المسلمين في العالم على"إدانة الإرهابيين الذين يتسترون بالدين لأن القتلة الذين يزهقون أرواح الرجال والنساء والأطفال الأبرياء يتبعون عقيدة عنيفة مختلفة كليًا عن الإسلام"
واستشهد بوش بالآية القرآنية الكريمة من سورة المائدة: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) ولكنه أغفل ذكر"بني إسرائيل"في مطلع الآية! وهو نفس ما فعله أوباما أيضًا في القاهرة بنفس الآية وأغفل كلمة: (بني إسرائيل) ! والمعنى مفهوم، والمقصود واضح دون فلسفة أو تفتيش في الضمائر والنوايا، فالسلعة واحدة وان اختلفت طريقة التغليف والتوصيل (كما يقوله أحد المعلِّقين على خطاب أوباما) !
ألا تتذكر يا شيخ (عائض) المقولة التي كان يقولها كثير من الساسة: (تكلم بلطف واحمل عصا غليظة) ، إنَّه بالفعل ما يقوم به أوباما!!
إنَّك تعلم يا شيخ عائض أنَّ الأصل في السياسة هو تعاطي الأفعال مع الأقوال، وليس البقاء على الأقوال فحسب، وإنَّ الكلام دون الفعل نفاق وأنَّه تعالى قال: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) ولقد كان يقول لونستون تشيرشل: الكلمات سهلة وكثيرة، أما الأعمال العظيمة فصعبة ونادرة.
فهذه الحقيقة المرَّة أننا نبقى نخدع ولا يزال عدونا يخدعنا والعجب أنَّنا لا نتعلم من دروس الخديعة كثيرًا، فكم خدعنا ونخدع وسنخدع من كلام الأفاكين، الذين قد تعلموا دروس المراوغة و المواربة، لكي يقنعونا بخطاباتهم ولو كانوا يكذبون، ولا ضير في ذلك عندهم فقد قال سياسيو هذا الزمان: (اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس) وهاهو أوباما يكذب ويكذب في كلامه ولكنَّ أفعاله بل الكثير من كلماته ليس مرضيًا عنها من المسلمين، والعجب أن بعض المسلمين يصدقونه في كلماته، أو أن بعضهم يقول: لعل أوباما أحسن، لعله يخفي الإسلام في صدره! لعلَّه يريد خدمتنا! ونبقى نعتذر له وليتنا نعتذر لإخواننا المسلمين الذين يقومون بأداء ما أوجبه الله عليهم بالدفاع عن أراضي الإسلام وإن وقع منهم خلل أو خطأ فنقوم بالاعتذار لهم أو تصويبهم بحكمة ورفق ولين، كما أمرتنا أن نخاطب أوباما بالكلام الهين اللين!!
يا أيها الشيخ الجليل عائض القرني لقد قال تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) وإني أنصحك وأنصح نفسي بزيادة النظر في الواقع جيدًا، وعدم استعجال الحديث في بعض الأمور، والقراءة في دلائل الخطابات التي يقوم بها كثير من الساسة والذين لا يقومون بعشر معشارها، وأن نعيد النظر في كتب أصول الشريعة، ونفرق بين الخطاب مع الكافر الحربي، والكافر المسالم، وأن نحذر من الركون أو الدفاع عن الكافرين، فلقد قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار) وقال تعالى: (ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إنَّ الله كان غفورًا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إنَّ الله لا يحب من كان خوَّانًا أثيما) ويقول تعالى: (ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلا) .
ولقد أخرج ابن حبان وأبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون ما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن أنكر برئ ومن أمسك سلم ولكن من رضي وتابع"، وصحَّحه ابن القيم في تهذيب السنن: (11/ 364) ، والألباني في السلسلة الصحيحة برقم: (3007) .
فإيَّاك يا شيخ عائض أن تكون ممَّن رضي وتابع هذا الرجل، أذكِّرك بذلك وخصوصًا أنَّك أمرتنا بشكره والمشي معه خطوة بخطوة، وإنَّ من الخطأ الكبير أن يستخفَّنا الذين لا يؤمنون بالله، بل الذين ارتدوا عن دينهم كأوباما، ولقد قال تعالى: (ولا يستخفَّنك الذين لا يوقنون) ، ومن السوء أن يغرنا مظهرهم أو منطق كلامهم ونحن نرى أفعالهم لا تتوازى مع ما يقولونه ـ مع أنَّ في كلامهم سوءًا كذلك ـ
وفي الختام: عذرًا إن كان في كلامي مجاوزة للحديث مع رجل له سابقة في الدعوة إلى الله، وعلم غزير، ولكنَّها النصيحة كتبتها لك علانيَّة لأنَّك تحدثت بخطابك علانيَّة وفي جريدة من أشهر الجرائد في العالم، لهذا لزم هذا الخطاب، وأقول لكم كما قال الشيخ الأديب علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ: (إن وجدتم في الكلمة صراحةً فلا تلوموا الطبيب؛ فإنّه يصِفُ المرض ليُعيّن الدواء!) . [عن كتاب: بغداد ذكريات ومشاهد: ص 63] .
وفقك الله يا شيخ عائض، وزادك الله علما وعملا، وثبَّتك الله على دينه، وختم لي ولك بالحسنى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....
(يُتْبَعُ)