فهرس الكتاب

الصفحة 1887 من 28557

الواجبُ على المُفتي أن يأخذ َ بأسبابِ اللغةِ العربيّةِ الفُصحى، وأن يجعلها مدارَ كلامهِ ومحطَّ حديثهِ، فهي سهلة ٌ ميسورة ٌ، تقرعُ الأسماعَ بهيبتِها وجلالِها، وتُكمّلُ جوانبَ الشخصيّةِ المُسلمةِ الحقّةِ، وتزيدُ من هيبتهِا ووقارهِا، ويفهمها الجميعُ بلا عنتٍ أو مشقّةٍ، فهي رحمٌ متّصلٌ بينَ المُسلمينَ، يتوادّونَ بهِ ويتواصلونَ عن طريقهِ، ولا تجدُ وشيجة ً بينَ المُسلمينَ في أقطار ِ الدّنيا أقوى من وشيجةِ اللغةِ الأمِّ لهم، لُغةِ القرءان ِ العظيم ِ، اللغةِ العربيّةِ الفصيحةِ، والتي جرتْ على سنن ِ العربِ الأوائل ِ في تركيبِ الجمل ِ والمفرداتِ، دعْ ما عدّوهُ فيها من غريبِ اللفظِ ووحشيِّ العِبارةِ، فذلكَ حشوٌ لا يُحتاجُ إليهِ، وإنّما الكلامُ عن طريقتهم في الحديثِ وصياغتهم للجملةِ.

في بعض ِ ما تابعتهُ من برامجَ للإفتاءِ أجدُ الشيخَ قد تمنطقَ باللهجةِ المحليةِ القُحّةِ، وأخذ َ يكيلُ للسامع ِ من تلكَ الألفاظِ ما يحتاجُ معهُ أهلُ الجزيرةِ العربيّةِ إلى قاموس ٍ يكشفُ لهم حقيقة َ المعنى، فكيفَ ببقيّةِ النّاسَ، ممّن تناءتْ بهم الديارُ، وشطّتْ عنّا وعنهم المزاراتُ.

إنَّ المُستفتي يطلبُ حينَ سؤالهِ كشفَ حيرتهِ، ودفعَ جهلهِ، فلماذا نزيدُ عليهِ الحيرة َ، ببعض ِ الأجوبةِ التي تُرضي عجائزَ اليمامةِ، ولا تقرُّ بها أنفسُ النّاس ِ في بلادِ الكنانةِ والرّافدين ِ؟.

يجبُ على المفتي أن يكونَ ذا لسان ٍ فصيح ٍ، يُبينُ حينَ الجوابِ، ويُوضحُ الرّدَّ، دونَ أنْ يدعَ السائلَ في حيرةٍ وتخبّطٍ، ولا يظُنّنّ الشيخ ُ - غفرَ اللهُ لهُ - أنَّ سعة َ العلم ِ، والتبحّرَ في المسائل ِ، والغوصَ فيها، يُغني عن معرفةِ البيان ِ وطُرق ِ الفصاحةِ، بل هذا ممّا يعيبُ على العالم ِ أن يكونَ كذلكَ، عييًّا حصِرًا، لا يكادُ يبينُ، وقد فهِمَ هذا الأمرَ النبيُّ الكريمُ موسى كليمُ اللهِ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - فطلبَ من ربّهِ أن يردأهُ بهارونَ - صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ - أخيهِ مُصدّقًا ومُحاجًّا، لفصاحةِ لسانهِ وحُسن ِ بيانهِ، ولو كانَ الأمرُ متوقّفًا على سعةِ العلم ِ وكثرتهِ، لكانَ موسى أولى من هارونَ - صلّى اللهُ عليهما - في الإبلاغ ِ والدعوةِ، ولما احتاجَ إليهِ سندًا ومُعينًا.

ولا بُدَّ من معرفةِ أحول ِ النّاس ِ كذلكَ، فللنّاس ِ عوائدُ وطباعٌ شتّى، وربّما حسُنَ الشيءُ في بيئةٍ وقبُحَ في أخرى، واللفظُ الواحدُ يُستخدمُ في أماكنَ مُختلفة ً، ويحتملُ - بحسبِ المنطقةِ - معنىً خاصًّا فيهِ، ولهذا كانَ من جملةِ مُخصّصاتِ النصوص ِ العامّةِ: العرفُ المُقارنُ للخطابِ، وذلكَ لأنَّ اللفظَ العامَّ إذا أطلقَ في بيئةٍ مُعيّنةٍ، وكانَ المُتعارفُ عليهِ صرفهُ إلى شيءٍ خاصٍّ، فإنّهُ ينصرفُ إليهِ ويُحملُ بهِ، ولا يُعدُّ من ألفاظِ العموم ِ:

والعرفُ حيثُ قارنَ الخِطابا ودعْ ضميرَ الشأن ِ والأسبابا

وممّا يُستطرفُ ذكرهُ في هذا المقام ِ، ما حدّثنيهِ شيخي العلاّمة ُ: مُحمدُ بنُ مُحمّدٍ الشنقيطيُّ - متّعهُ اللهُ بالعافيّةِ - أنّهُ سمِعَ مرّة ً في برنامج ِ"نورٌ على الدربِ"سؤالًا وُجّهَ إلى أحدِ أهل ِ العلم ِ، تسألُ فيهِ امرأة ٌ عن حُكم ِ لبس ِ الستيان ِ للنّساءِ، فكانَ جوابُ الشيخ ِ: لا أدري ما هو الستيانُ، ولكنْ إذا كانَ فضفاضًا واسعًا فلا بأسَ بهِ، وإن كان ضيّقًا فلا يجوزُ لبسهُ.

وهذا الجوابُ من الشيخ ِ قالهُ لعدم ِ معرفتهِ بصفةِ الستيان ِ، ولا طريقة َ لبسهِ، فأجراهُ - والحالُ هذه - على نظائرهِ من لباس ِ المرأةِ، والذي يحرمُ عليها فيهِ إبداءُ المفاتن ِ سواءً بكشفها أو تحجيمها.

والستيانُ: لفظة ٌ عاميّة ٌ مرذولة ٌ، تُطلقُ على ما تشدُّ بهِ المرأة ُ صدرها، ولا أعرفُ لها مُرادفًا عاميًّا أو فصيحًا، ومن علمَ شيئًا من ذلكَ فليُغثنا، على أنَّ هُناكَ من يُسمّيها حمّالاتِ الصدرِ، وهو اسمٌ حسنٌ ظريفٌ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت