فهذا هرقل وهو من علماء النصرانية لم يمنعه خوف ذهاب هذا المنصب من السكوت في بيان الحق في مسألة فرعية أو مسألة مختلف بها إنما منعه هذا الخوف عن قبول الحق الذي عرفه وتبين له وتكشفت له فيه الحُجُب.
فتأمل يا رعاك الله:
حال بعض المنسوبين إلى العلم كيف يهجرون قول الحق والصدع به عندما يتصادم مع مصالح رؤسائهم وكبرائهم , فحري بك أن تكون فطنًا لبيبًا يعرف من أين يأخذ الحق ومن هم أصحابه
خصوصًا في المسائل المصيرية المتعلقة بالأمة ومصالحها العامة وتكون هذه المصالح متعارضة مع مصالح تلك الثلة الصغيرة التي ينطوي هؤلاء العلماء تحت لوائها.
وانظر يا أيها المسلم الحر:
إلى إمامٍ من أئمة المسلمين الثقات الأثبات الذين شهد لهم المسلمون بالسلامة والعدالة وارتضوا أقوالهم , وهو الإمام العلامة الفقيه أبو حنيفة النعمان عليه من الله الرضوان ,كيف ترك القضاء ورفض الإنصياع للأوامر العليا التي أوجبته على القيام بهذه المهمة فرفض ثم قاموا باستخدام أسلوب آخر وهو الإجبار على هذا الأمر بالضرب حتى توفي رحمه الله بسبب ذلك العذاب.
ولقد وصفَ هذه القضية الكبرى وصفًا رائعا ماتعا الشاعر الأديب الجرجاني رحمه الله في قصيدته الأعجوبة , حيث يقول:
يقولونَ لي: فيكَ انقباضٌ وإنّما
رأوا رَجلًا عن موقفِ الذُّلِ أحجما
أرى النّاسَ مَن داناهُمُ هانَ عِندهمُ
ومن أكرمتْهُ عِزَّةُ النَّفسِ أُكْرما
ولم أَقضِ حقَّ العِلمِ إنْ كانَ كُلَّما
بدا طمعٌ صيرته ليَ سُلَّما
إذا قيلَ: هذا مَنهلٌ قلتُ: قد أَرى
ولكنَّ نَفْسَ الحُرِّ تحتملُ الظَّما
أنزِّهُها عن بعضِ ما لا يَشينُها
مخافة أقوال العدا: فيم أو لما؟
فأصبحُ عن عَيبِ اللّئيم مُسَلَّمًا
وقد رحت في نفس الكريم معظَّما
وإني إذا ما فاتني الأمرُ لم أبِتْ
أقلِّبُ كفّي إثره مُتَنَدِّما
ولكنَّه إنْ جاء عفوًا قَبِلْته
وإنْ مال لم أُتْبِعهُ (هلاَّ) و (لَيتما) !
وأَقبِضُ خَطويَ عن حُظوظٍ كَثيرةٍ
إذا لم أَنلها وافرَ العِرضِ مُكَرما
وأَكرِمُ نفسي أنْ أُضاحِكَ عابسًا
وأَنْ أَتلقّى بالمديح مُذَمَّما
وكم طالب رقي بِنُعماهُ لم يصِلْ
إليه وإن كان الرَّئيسَ المُعظَّما
وكم نعمةٍ كانت على الحرِّ نِقمةً
وكم مغنَمٍ يعْتدُّه الحرُّ مغرَما
ولم أبتذِل في خدمةِ العلم مُهجَتي
لأَخدِمَ من لاقيتُ لكن لأُخدما
أَأَشقى به غَرْسًا وأجنيهِ ذِلَّة؟!
إذًا فاتِّباعُ الجهلِ قد كان أحزَما
ولو أنَّ أهلَ العِلمِ صانوه صانَهمُ
ولو عظَّموهُ في النُّفوسِ تَعَظَّما
ولكن أهانوه فهانَ ودنّسوا
مُحيّاهُ بالأطماعِ حتى تَجهَّما
وما كلُّ برقٍ لاحَ لي يسْتَفزُّني
ولا كلُّ من لاقيتُ أرضاهُ منْعِما
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي يتشدق بعض أتباع المنهج السلفي (ادعاءً) باتباعه ويقرون بعلمه وإمامته لكنهم يتنكبون لمنهجه وطريقته إتباعًا للهوى وخوفًا من ذهاب بعض المناصب التي هي في النظرة الدنيوية حقيرة دنيئة فضلًا عن النظرة الأخروية.
تراه قد مات رحمه الله في السجن ذائدًا عن الدين واقفًا في وجوه الظلمة المعتدين , صداحًا بقول الحق لا يخاف في الله لومة لائم.
إيهٍ يا ابن تيمية!!
إنّ من يُقلب الطرف في سيرتك العطرة وجهادك الدائم لأعداء الدين وصدحك بالحق على اختلاف حالك من يسر إلى عسر وينظر إلى لصوص العلماء الذين أخرج عنهم الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص) ضعفه الألباني , ليجد العجب العجاب وما يخلب الألباب.
أيتها الأمة النائمة المتكئة على فتاوى مسبوقة الدفع:
استيقظي وقومي من رقادك الذي قد طال! إن الذي ترين أمرٌ قد حدث في الأمم الغابرة وذكره الله وفضحه أفلا تتنبهين له أما سمعتي قوله سبحانه:
(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)
ألا إنه لن تكون في الأمة ثورةٌ فكرية عارمة تجرف بسيلها الهائج الثائر تلك الأغلال والآصار التي وضعتها الأمة عليها في سني ضعفها وانهزامها إلا بقصد تلك الأصنام المتحجرة وكسرها بسيف الحجة والبرهان المستمدان من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
(يُتْبَعُ)