هذا عمرُ بن عبد العزيز تَرِدُ إليه رسالةٌ من مِصَرَ بعثت بها إمرأة سوداء مسكينة تُسمى فرْتُونَةُ السوداء, مولاةُ ذي أَصبح, تذكر فيها أن لها حائطًا قصيرًا وأنه يُقتَحُم عليها منه فيُسرَقُ دجَاجُها فكتب عمر رضي الله عنه فورا الى عامله في مصر أيوب بن شرحبيل رضي الله عنه ما يلي: (( من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ابن شرحبيل أما بعد: فإن فرتوتة مولاة ذي أصبح كتبت إلي تذكر قِصَر حائطها وأنه يُسرَقُ منه دجاجها وتسأل تحصينه لها فإذا جاءك كتابي هذا فأركب أنت بنفسك إليه حتى تحصنه لها ) ), ثم كتب عمر بن عبد العزيز إلى المرأة ردًا على رسالتها (( بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمرَ أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاةَ ذي أصبح بلغني كتابك وما ذكرت من قصر حائطك وأنه يدخل عليك فيه فيُسرق دجاجك فقد كتبت لك كتابًا إلى أيوب بن شرحبيل آمُرَه أن يبني لك ذلك حتى يحصنه لك مما تخافين إن شاء الله والسلام ) ). البداية والنهاية
يا الله ... تاقت أنفسنا للعيش في ظل مثل هؤلاء الخلفاء ولو للحظات ... خليفة يخاف يومًا عبوسًا قمطريرًا, يخاف يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار, خليفة تُدوّي فعاله في الأرض قبل كلماته, خليفة يسوقنا إلى جنة عرضها السموات والأرض زمرًا زمرًا.
أفلا نبكي بعد كل هذا!!! فلا تلوموني إن جفت الدموع أن بكيت خلافة ضائعة لم نُحافظ عليها كالرجال ...
فالأمر جِدّ لا هزل, الأمر جِدّ لا هزل ... وهو يحتاج منا أن نصل ليلنا بنهارنا, لنُبريء الذمّة فتُكشفُ الغُمّة. ويكفينا تمني وتسويف, فإن طول الأمل جالب الأسقام وداء النيام, وهو حِبالة من حِبالات إبليس اللعين يقذفها في طريق إبن آدم فيأسره بها! ليتحكم بعدها في أمره كما يشاء والعياذ بالله.
قال الحسن البصري رحمه الله: (إن قومًا ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة, يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي, وكذب, لو أحسن الظن لأحسن العمل) . وقال عون بن عبد الله رحمه الله: (كم من مستقبل يومًا لا يستكمله! ومنتظر غدًا لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره) .
أيها الناس: لقد طال التصاقكم بالأرض, فارفعوا أبصاركم إلى السماء, وازداد انهماككم في متاع الدنيا فالتفتوا إلى نعيم الأخرة, واجعلوا من دموعكم على خلافتكم الضائعة باعثًا للعمل والجدّ وتجديدًا للعزيمة والإيمان, وليكن العمل مع العاملين لإقامة دولة الخلافة هو المَركِب الذي يحملكم إلى عزّ الدنيا والأخرة, وأجيبوا دعوة ربكم لكم, إذ قال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) . آل عمران133
فاللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا, واجعل الحياة زيادة لنا في كُلِّ خير , واجعل الموت راحة لنا من كُلِّ شر ... اللهمَّ إنَّك تعلمُ ذنُوبنا فاغفرها, وتعلم عُيوبنا فاسترها ... وتعلم حاجاتنا فاقضها يا قاضي الحاجات ... اللهمَّ يا غنيُّ يا حميد, ويا مبدِئُ يا مُعيدُ, ياغفورُ يا ودودُ, ويا ذا العرش المجيدُ, يا فعَّال لما تُريدُ, اجمع على الحقِّ كلمة المسلمين, وألّف بين قلوب عبادك المؤمنين ... اللهمَّ أصلح ذات بينهم, وانزع الغلَّ والحسد والبغضاء من قلوبهم ... اللهمَّ اجعل ولايتنا فيمن خافك واتَّقاك, واتَّبَعَ في الحقِّ رضاك ... اللهمَّ اجعلنا من عبادك الصَّالحين, وأوليائك المفلحين, وجُندك المنصُورين.
حُمَّ الأمر, وجاء النصر, فعلينا لا يُنصرون.
منقول