فهرس الكتاب

الصفحة 19103 من 28557

وعندما اشتهر ابن النفيس (1211 - 1288 م) كعالم وأستاذ اضطر هو أيضًا أن يشرح القانون وأن يكتب موجزًا له. شرح الكليات، ثم شرح التشريح. ويقوله في ذلك (1) "وقد رتبناه (أي شرح الكليات) على ترتيب القانون، إلا في فني التشريح الأقراباذين فإنا رأينا أن نجمع الكلام في التشريح في كتاب واحد. ونرتبه بعد الكلام في مباحث بقية الكتاب الأول من كتب القانون، والمعروف الكليات."

وهكذا فقد تناول ابن النفيس بالشرح ما جاء في الكتاب الأول والثالث من كتاب القانون والسبب أن ابن سينا قسم التشريح إلى قسمين:

الأول: ما يمكننا تسميته بالتشريح العام أي: الهيكل العظمي، العضلات، الأعصاب ... الخ.

الثائي: التشريح الخاص. أي تشريح كل عضو على حدة، وذلك قبل الخوض في سرد ووصف أمراض هذا العضو.

وهكذا كان كتاب"شرح تصريح القانون"لابن النفيس وهو أيضًا مقسم إلى قسمين الأول: يتناسب من شرح ما جاء في الكتاب الأول من القانون والثاني: ما جاء في الكتاب الثالث من القانون.

والواقع أن الكتاب نقد وتعليق على ما جاء من معلومات تشريحية في كتاب القانون وهو نقد موجه إلى كل من جالينوس وابن سينا بل لكل من كتب في التشريح قبل ابن النفيس إذ أنه ينتقد المشرحين أحيانًا دون أن يذكر أسماءهم.

نعتمد أن ابن سينا لم يمارس التشريح إلا لمامًا في حين يحتوي كتاب"شرح التشريح". على الكثير من المعلومات الجديدة، بالإضافة إلى النقد العلمي الموضوعي الصحيح، لشيء الذي يدل على أن ابن النفيس قد مارس التشريح.

والغريب والجدير بالذكر أيضًا أنه يقول (2) "إن جملة عضلات البدن خمسمائة وتسع وعشرون عضلة، وتفصيلها تعرفه مما قلناه في كتابنا الذي نعمله في الطب مع استقصاء الكلام في هيئات العضلات ومنافعها وأوتارها ومبادئها وكذلك نستقصي هناك الكلام في جميع فن التشريح كما ينبغي. فإن كلامنا فيه، في هذا الكتاب أكثره موجز".

إذن: فله كلام مفصل في التشريح في كتاب آخر لعله كتاب"الشامل"الذي يقال إنه ألفه في بضع مئات من الأجزاء والمبيض منها ثمانون حينما وافته المنية. كذلك فإن بعض أجزائه موجود في مكتبة جامعة كامبريدج بإنجلترا بخط يده تنتظر الباحث العالم لينفض عنها الغبار ويقدم للعالم ثمرة عبقرية هذا العالم العربي المسلم.

والواقع: إن الحديث عن كتاب شرح التشريح طويل وطويل جدًا، ولقد أنهيت تحقيقه، وأنا في صدد تأليف كتاب برمته عنه.

لذلك: اختصر موضوعي، لسبب ضيق الوقت، على مناقشة فكرة هامة ألا وهى: هل شرح ابن النفيس جثة الإنسان أم لا؟ لقد اتخذ الجواب على هذا السؤال وجهات نظر ثلاثة:

الأولى: تنكر قيام ابن النفيس، والعلماء العرب المسلمين بأي عمل تشريحي كان.

الثائية: تقول إنه شرح، ولكن شرح الحيوان فقط كما فعل جالينوس.

والثالثة: تقول إن ابن النفيس شرح جثة الإنسان.

من المدافعين عن وجهة النظر الأولى: المستشرق ماكس مايرهوف (1874 - 1945) : إذ يقول (3) "كانت الشريعة الإسلامية في أول ظهورها تبيح دراسة العلوم إطلاقًا، ويمكننا القول منذ أن ظهر المعلم الديني الشهير الغزالي (1111م) . فصاعدًا حل الاضطهاد الديني لهذه الدراسات محل السماح بها بزعم أنها تؤدي إلى الشك في الاعتقاد بأصل العالم بوجود الخلاق".

ولكنه يعود فيعترف بأنه"وإن لم يكن هذا الموقف كافيًا لمنع ظهور علماء مفكرين أحرار، فمما لا شك فيه، أنها كانت عاملًا مهما جدًا في خنق أصوات أولئك المفكرين".

يؤكد مايرهوف إذن في كلمته هذه:

ا- أن الشريعة الإسلامية نفسها لم تمنع دراسة العلوم إطلاقًا. والحقيقة أنه لا يوجد في مصدري الشريعة الإسلامية: أي القرآن والسنة ما يمنع تشريح جثة الإنسان بقصد علمي.

2 -إن السبب الهام في نقد الدراسات العلمية هو ظهور الغزالي وتعاليمه. صحيح أن الغزالي أصدر كتاب"تهافت الفلاسفة"ولكن الحرية التي كان يتمتع بها العلماء جعلت ابن رشد يرد عليه مباشرة في كتابه"تهافت التهافت"ابن رشد (1126 ــ 1198) الذي كان فيلسوفًا وطبيبًا أيضًا، وهو الذي يقول في كتابه فصل المقال (4) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت