فهرس الكتاب

الصفحة 19104 من 28557

"إن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعها وأنه كلما كانت المعرفة بصنعها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم. وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث عام ذلك، فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع، وإما مندوب إليه".

والمعروف قول ابن رشد"من زاول التشريح ازداد- إيمانًا".

3 -ورغم ذلك، على ما يقول مايرهوف، فلم تمنع تعاليم الغزالي من ظهور علماء مفكرين أحرار ... أمثال ابن النفيس.

والواقع أن فكرة تحريم تشريح الجثة الإنسانية فكرة شعبية عامية نابعة عن الاحترام الشديد للأجداد وللموتى ولا علاقة لها بالدين الحنيف، الشيء الذي نجده في مناقشة جرت بين كلوت بك ( Kloot Bek) طبيب محمد علي الكبير، الذي أنشأ مدرسة أبي زعبل الطبية فأراد تشريح الجثث لتعليم التشريح للطلاب، فاعترض عليه البعض. فذهب إلى أكبر علماء الدين في ذلك الوقت الشيخ العروسي. وقد سجل كلوت بك المناقشة التى جرت بينهما في مذكراته، ويتبين بوضوح أن سبب منع تشريح الجثث هو الخوف من إثارة عواطف العامة إذ يقول (5) "وأعتقد أنني رأيت في تردده (أي تردد الشيخ) الخوف من الاصطدام بمعتقدات قديمة أكثر من شكه في فكر مقتنع نصف اقتناع. والذي أكد لي هذه الفكرة، أنني توصلت إلى الحصول على موافقته الخفية لتدريس التشريح، ولكنه أخذ مني عهدًا بأن لا أفعل ذلك إلا باحتراس وسرية)."

وأجد شخصيًا، تماثلًا غريبًا، وتطابقًا شديدًا ما بين موقف الشيخ العروسي وموقف ابن النفيس، فهما يوافقان على تشريح الجثة إنما"باحتراس وسرية"وذلك"خيفة الاصطدام بمعتقدات قديمة".

وهذا هو السبب الذي جعل ابن النفيس يقول في مقدمة كتابه شرح التشريح"وقد صدنا عن مباشرة التشريح وازع الشريعة، وما في أخلاقنا من رحمة" (2) .

والمعروف أن المؤلف يكتب مقدمة كتابه بعد الانتهاء من تأليفه. ولربما لاحظ ابن النفيس أن ما جاء في كتابه كان دليلًا على مزاولته التشريح، فوجد أنه من الأفضل والأنسب أن ينفى عنه التهمة من البداية فكتب هذه الجملة، خاصة أن القلائل هم الذي سيقرؤون الكلام برمته، ولأن النسخ منه قليلة.

ولقد استند ما يرهوف وشاخت وغيرهما على هذه الجملة لنفي قيام ابن النفيس بالتشريح إطلاقًا.

إلا أن قراءة الكتاب تنفي ما جاء في هذه الجملة فلذلك عندما قرأ ما يرهوف الصفحات التي وصف فيها ابن النفيس تشريح القلب ودوران الدم في الرئتين لم تواته الجرأة للاعتراف بل قال بأن هذا الاكتشاف جاء نتيجة"فرضية سعيدة" (6) Heurouse Hypothese رأي افتراضي نظري تطابق مع الحقيقة صدفة. وقال شاخت Schacht إنه وصل إليها عن طريق الاستنتاج المجرد (7) أي عن طريق المناقشة النظرية فحسب.

ولنعد الآن إلى كلام ابن النفيس في تشريح القلب"ولكن ليس بينهما (أي بين بطيني القلب) منفذ، فإن جرم القلب هناك سميك ليس فيه منفذ ظاهر كما ظن جماعة، ولا منفذ غير ظاهر، يصلح لنفوذ الدم كما ظن جالينوس، فإن مسام القلب هناك مستحصفة وجرمه غليظ" (2) .

ولا أريد الاسترسال فيما جاء في الكتاب عن القللب وتشريحه فهو معروف جدًا واذكر هنا كلمة لثارل ليشتانتيلر أستاذ تاريخ الطب في لوزان وهامبورغ"لا يمكن لأحد أن يصف هذا الوصف إلا إذا وضع اصبعه ضمن تجاويف القلب" (8) .

وفي المقطع التالي يكشف ابن النفيس عن نفسه إذ يقول"وقولهم (أي من سبقه من الأطباء والمشرحين) أنهم شرحوا وأبصروا الأمر على ما ذكروه مما لا يوقع عندي ظنًا، فضلًا عن جزم. فكثيرًا ما رأيت الأمر على خلاف ما ادعوا أنهم صادفوه بالتشريح الذي يدعون أنه تكرر لهم كثيرًا (2) ."

فهو هنا يؤكد جازمًا على أنه رأى الأمر على"خلاف"ما قالوه في التشريح (وأعتقد أن كلمة تشريح هنا تعني تسليخا( Dissection) .

هنا ينبري الفريق الثاني من الباحثين أمثال الزميل الدكتور الأستاذ/ عبد الكريم شحادة، أو الدكتور أمين أسعد خير الله، فيقول: إن ابن النفيس قد شرح، ولكن شرح الحيوان فقط (6) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت