فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 28557

-أسلوب العمل الشعبي المتوجه إلى المجتمع أو الجمهور وهو من أبرز اتجاهات الإصلاح المعاصرة كعمل مؤسسات المجتمع المدني المستقلة التربوية والاحتسابية والدعوية ونحوها، مع أهمية مراعاة البعد عن الفوضى، أو تقديم المفاسد على المصالح.

ومما تقدم يتبين أنّ لتنوّع الظروف والمجتمع الذي يقوم فيه شأن الإصلاح أثرًا في اختلاف الأولويات والوسائل وهو في الجملة من اختلاف التنوع لا التعارض مما يوجب على أهل الإصلاح التعاذر عند الاختلاف واجتناب سوء الظن والتغليظ في النقد.

بل إن اختلاف الأسلوب والوسيلة قد يكون سائغًا لاختلاف التكوين النفسي أو العلمي أو الخَلْقي وإن كان ذلك في مجتمع واحد.

والمعيار لذلك الاختلاف هو العلم بالشريعة المقرون بفقه الواقع كما قال شيخ الإسلام:"والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا"الفتاوى الكبرى5/ 537.

ومن مجمل العرض الآنف يجد أهل العلم أمامهم مسالك مختلفة للإصلاح ربما كان لكثير منهم دورًا فيها، ويبقى التعويل في زيادة فاعلية أثرهم على مجريات الأحداث على ما مضت الإشارة إليه من اتفاق أصحاب المسالك المختلفة على مشاريع مشتركة تتضافر عليها جموعهم.

فعلى سبيل المثال قد تجد بعض حركات المقاومة أو الجهاد الإسلامي لها أثر ملموس في انهاك المحتل، ولكن كثيرًا منها ربما افتقر إلى رؤية سياسية واضحة، أو برنامج سياسي مصاحب لعمل المقاومة، وهذا الخلل قد يستغله غيرهم فيقطف ثمرتهم، كما قطف الشيوعيون ثمار الثورة على القيصرية في روسيا، والعلمانيون ثمار الجهاد في الجزائر. ولعل مما يكفل نوعًا من الأمان لحركات المقاومة وجود رؤية سياسية واضحة لها، أو على الأقل وجود تعاون مشترك واتفاق على مشاريع سياسية مع القوى التي ارتضت مسالك أخرى في التغيير.

ومما يحسن التنبيه إليه أنه في بعض الأحوال نظرًا لملابسات واقع ما، ليس بالضرورة أن يكون دور العلماء أكثر من التوجيه والإرشاد والتقويم وفقًا لأحكام الشريعة وقواعدها مع السعي إلى جمع الكلمة مهما أمكن من أجل تكامل الجهود. بيد أنه لابد لجمهورهم من مباشرة العمل وإلاّ سيكون ثمَّ نوع قصور في التصور فضلًا عن الإصلاح وقد قيل:

لا يعرف الشوقَ إلاّ من يكابدُه

ولا الصبابَةَ إلاّ من يُعانِيها

أدوار مهمة أخرى:

ويظل المطلوب من أولي الأمر من العلماء كثيرًا، والمهمة الملقاة على عاتقهم عظيمة، سواء تجاه جماهير ما يعرف بالصحوة أو دعاتها ورجالاتها، فقد يرغب كثير من الناس في عمل الخير والبذل، لكن تشتبه عليهم السبل، فيخطئون الصواب، أو يقدمون ما من شأنه التأخير، إما جهلًا منهم بمقاصد الشريعة وغايتها الكبرى، أو أحكامها، أو لرأي قاصر وفقًا لما يسر لهم من وسائل الملاحظة والإدراك، فتتكرر الجهود وتتبعثر الاجتهادات، وربما سلكت بعضها مسالك آثمة جهلًا، فيأتي توجيه أهل العلم وأصحاب النظر مقومًا لما اعوج منها، ململمًا ما تبعثر منها، موجهًا إلى حيث تعظم الحاجة. كما كان شأن أهل العلم والنظر قديمًا.

ومع أن المطلوب من الشباب والدعاة عدم إغفال رأي أهل العلم، والحرص على استنباط الصواب بمشورتهم، إما عن طريق ضم نخبة منهم في مجالس استشارية، وإن تعذر فلا مناص لهم من وصولهم. مع ذلك فإن الواقع يقتضي كذلك نزول جماعات من أهل العلم إلى حيز العمل الدعوي فيتبنون المشاريع التي توجه الشباب، وترشد سير الدعوة، وتعنى بالتربية التي تخرج الأجيال وتحفظهم من الضياع والانحراف في مسالك الغلو أو الجفاء.

ويتأكد هذا عند حلول النوازل التي أمر الله تعالى بالرد إلى أهل العلم فيها، كما قال سبحانه: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا) ، فالأمة أحوج ما تكون عند النازلة إلى أهل العلم الراسخين والعلماء الربانيين، ولعل مما يتوجب على أهل العلم أن يكون دورهم حال النوازل أكثر من مجرد إصدار

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت