فهرس الكتاب

الصفحة 19802 من 28557

وقد جرت معاركُ طاحنةٌ بين جيش إسرائيل والجيش العراقي؛ لاستعادة قرية عارة، وقرية عرعرة، وقرية صندلة من قرى جنين، وكان للمتطوعين الفلسطينيين أثرٌ أيّ أثر في انتصار الجيش العراقي على القوات الإسرائيلية، وإعاده هذه القرى وغيرها إلى العرب.

وكان للمتطوعين الفلسطينيين جهادٌ مشكورٌ في منطقة طولكرم، وفي المناطق الفلسطينية الأخرى، وكان لجماعة (الجهاد المقدس) جهادٌ عظيمٌ في منطقة القدس، إذا نسيه الناس؛ فلن ينساه ربُّ الناس، وكان للشهيد عبد القادر الحسيني - رضوان الله عليه - جهادٌ عظيمٌ في منطقة القدس، حتى قدَّم حياته الغالية في معركة القسطل ..." [6] ."

ويقول في موضعٍ آخر:"بلغت علاقتي بهم حدًّا أنَّ الذي كان يريد أن يتزوج فتاة من فتيات آل جنين؛ يسألني أن أذهب لأبيها، ولم يحدث أن أحدًا من الآباء ردَّني خائبًا، والسرُّ في ذلك أن علاقتي بهؤلاء المقربين نشأت في المسجد، فصداقة المسجد لها نكهةٌ خاصةٌ، ووفاءٌ خاصٌّ، وثقةٌ بغير حدود، وما زلتُ إلى اليوم تصلني رسائلُ من أولاد جنين المقيمين في فرنسا وأسبانيا، يطلبون العون، فلا أتأخر عنهم أبدًا" [7] .

شيت خطاب شاعرًا:

غريبٌ أمر هذا الضابط؛ فمع مهماته العسكرية والقتالية، كان كاتبًا ومؤلِّفًا، كما عُرف بقَرْض الشعر، وقد بلغت مؤلفاته نحو 126 كتاب، وله نحو 320 بحث، كما قرض العديد من القصائد الشعرية، وكيف لا يكون على درجة من الثقافة وهو الذي يقول:

"كنتُ أحمل وأصحب معي - طَوال أيام عملي في العسكرية - أربعةَ كتبٍ ترافقني في حلِّي وترحالي، وهي: القرآن الكريم، والمنتقى في أخبار المصطفى لابن تيمية، ووحي القلم للرافعي، والقاموس المحيط للفيروزآبادي" [8] .

فإذا كانت هذه عُدَّة الضابط مع سلاحه؛ فحريٌّ به أن يكون أديبًا وشاعرًا، في عصر عزَّ فيه الشعر والأدب في ضباطنا الأجلاء، أصحاب الأوسمة المفتخرة، وهي ذخيرة القادة المخلصين من قادة الفتح الإسلامي الأماجد، أمثال: خالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجرَّاح، ومحمد بن القاسم، وصلاح الدين، ونور الدين الشهيد، ومحمد الفاتح، وعمر المختار، وغيرهم ممَّن غيروا خريطة العالم نحو الحضارة والرقيِّ.

يقول:"رأيتُ من واجبي أن أودِّع أهل جنين بشيء من القول يستحقونه؛ فعكفت في غرفتي وأنا في غاية التأثر من جرَّاء العودة للعراق، لفراق من أحبُّ من أهل جنين، وخوفًا عليهم من العدو الصهيوني، الذي كان يُرى بالعين المجرَّدة."

في ذلك الجو من الانفراد والتأثر، انطلق قلمي في شعرٍ، أتذكر منه اليوم أبياتٍ فيها:

هَذِي قُبُورُ الْخَالِدِينَ وَقَدْ قَضَوا شُهَداءَ حَتَّى يُنْقِذُوا الأَوْطَانَا

قَدْ صَاوَلُوا الْعُدْوَانَ حَتَّى اسْتُشْهِدُوا مَاتُوا بِسَاحَاتِ الْوَغَى شُجْعَانَا

أَجِنِينُ يَا بَلَدَ الْكِرَامِ تَجَلَّدِي مَا ضَاعَ حَقٌّ ضَرَّجَتْهُ دِمَانَا

إِنِّي لأَشْهَدُ أَنَّ أَهْلَكِ قَاوَمُوا غَزْوَ الْيَهُودِ وَصَاوَلُوا الْعُدْوانَا

المُخْلِصُونَ تَسَرْبَلُوا بِقُبُورِهِم وَالْخَائِنُونَ تَسَنَّمُوا الْبُنْيَانَا

لاَ تَعْذِلُوا جَيْشَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَهُ بَلْوَاكُمُ لَيْسَتْ سِوىَ بَلْوَانَا

إِنَّ السِّنَانَ يَكُونُ عِنْدَ مُكَبَّلٍ بِالْقَيْدِ فِي رِجْلَيْهِ لَيْسَ سِنَانَا

فَإِذَا نُكِبْتَ فَلَسْتَ أَوَّلَ صَارِمٍ بَهَظَتْهُ أَعْبَاءُ الْجِهَادِ فَلانَا

مَرْجُ ابْنِ عَامِرَ خَضَّبَتْهُ دِمَاؤنَا أَيَصِيرُ مِلْكًا لِلْيَهُودِ مُهَانَا؟

وَهُوَ الْخُلُودُ لِمَنْ يَمُوتُ مُجَاهِدًا لَيْسَ الْخُلُودُ لِمَنْ يَعِيشُ جَبَانَا" [9] "

خطاب يتوقع حرب 1976م:

وكان من فراسته ودقة دراسته للعدو الصهيوني؛ أنه حدد اليوم الذي تعتزم فيه إسرائيل شن حربها يوم 5/ 6/1967، ونشر توقُّعه في جريدة"العرب"، الصادرة في بغداد يوم 1/ 6/1967، تحت عنوان: (حربٌ أو لا حرب) ، قال فيه:"إن نفير إسرائيل سيكتمل يوم الخامس من يونيو/ حزيران سنة 1967م؛ فتكون إسرائيل جاهزة للحرب في هذا اليوم، وستهاجم إسرائيل العرب في هذا اليوم حتمًا"، ولكن لا مجيب!!

ثم قال بعد أن حدثت المأساة:"وقد صدَّقت الأحداثُ ما توقعته، ولستُ نبيًّا، ولكنَّ الفنَّ العسكري أصبح علمًا له قواعد وأسس، إليها استندتُ في كل ما كتبته من مقالات".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت