فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بعبارة اخري عليك كصانع قرار سياسي أومفكر أوباحث , ان تأخذ التطورات العالمية في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة في اعتبارك , ولكن عليك من بعد ان تركز علي أوضاعك المحلية , ومعني ذلك ان النظرة العالمية شرط للتصدي للمشكلات المتعددة ولكنه شرط غير كاف , اذ لابد من النزول من بعد إلي مستوي المحلي , حتي تكون الحلول المقترحة ناجعة وغير معلقة في الهواء.
اذن تميز عصر مابعد الاستعمار بالسعي إلي التقدم في كل المجالات , غير ان النظرة التقيمية الفاحصة لاحوال العالم العربي , تؤكد انه مع كل المحاولات التي بذلت من قبل النخب السياسية العربية الحاكمة , وعن طريق المفكرين والباحثين العرب في مختلف التخصصات , فان التخلف في المجتمع العربي مازال سائدا , والدليل علي ذلك مؤشرات كمية وكيفية متعددة.
وقد سبق لنا حين تحدثنا من قبل عن أهمية صياغة رؤية عربية للعولمة ان قررنا ان غياب السياسة العلمية المتكاملة احد الاسباب الكامنة وراء التخلف العربي , وذلك لان اسباب التقدم لايمكن التماسها من خلال استيراد النظريات الجاهزة التي صيغت في البيئات الاجنبية , والتي قد لاتصلح للتطبيق عندنا.
والواقع ان هذه الصياغة قد تؤدي إلي معان لم نقصدها علي الاطلاق , وهي اننا كعرب لاينبغي ان نعتمد علي النظريات الجاهزة التي صيغت في البيئات الاجنبية.
اذ لابد من التفرقة الدقيقة هنا بين النظريات العلمية الخالصة التي تصاغ في إطار العلوم الطبيعية مثل الكيمياء والطبيعة والاحياء , وتلك التي تصاغ في إطار العلوم الاجتماعية والانسانية.
النظريات العلمية من الفئة الأولي لامجال للتحفظ بشأنها لان القانون العلمي بحكم التعريف ـ اذا كان قانونا ثبتت صحته علميا ـ بنطبق في كل مكان فقانون الجاذبية ـ علي سبيل المثال ـ لايختلف تطبيقه من بلد إلي آخر.
غير ان النظريات العلمية الاجتماعية تحتاج إلي رؤية نقدية بصيرة للبحث في مناسبة تطبيقها في المجتمع العربي , لان عديدا من هذه النظريات تختلط فيها الايديولوجية بالعلم.
بعبارة اخري تصاغ نظريات اقتصادية معينة لخدمة النظام الرأسمالي اساسا , وهي بالتالي لاتتسم بالعمومية التي تكفل لها التطبيق في كل المجتمعات , علي العكس فان تطبيقها في مجتمع كالمجتمع العربي قد يكون له اضرار سياسية واجتماعية لاحدود لها.
ولنضرب مثالا علي ذلك بسياسة التكيف الهيكلي التي فرضها كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي علي الدول النامية , كأنها هي النظرية الاقتصادية الوحيدة التي تكفل اصلاح الاقتصاد والمساعدة علي النمو , فقد ادي تطبيقها الفعلي إلي اثار بالغة السلبية تمثلت في التضحية باصول الدولة من خلال برامج غير مدروسة للخصخصة ادت إلي تبديدها لصالح مجموعة من المستثمرين ـ وتم ـ في عديد من الحالات ـ تسريح آلاف العمال أو إحالتهم إلي المعاش المبكر , مما فاقم من مشكلة البطالة , وساعد علي تزايد دوائر الفقر في البلاد العربية , التي اضطرت للخضوع إلي توجيهات المؤسسات الدولية.
ومن هنا يمكن القول انه اذا كانت العولمة عملية تاريخية تتضمن بعض الجوانب الايجابية , إلا فإنه ينبغي قراءة عديد من النظريات والمفاهيم النابعة منها بطريقة نقدية , تسمح لصانعي القرار السياسي في المجتمع العربي , باتخاذ القرار الصحيح النابع من فهم عميق لتغيرات المجتمع العالمي , من ناحية , وتحليل دقيق للواقع العربي من ناحية أخري.
وإذا كان غياب السياسة العلمية المتكاملة هو ـ كما قررنا ـ احد الاسباب الكامنة وراء التخلف العربي , فليس هناك من طريق لاكتساب اسباب التقدم سوي بالبحث عن الاسباب التي عوقت صياغة هذه السياسة والتطبيق الفعال للاستراتيجيات التي تتضمنها , ليس ذلك فقط بل والبحث عن اسباب عدم وجود مشروعات لتوطين التكنولوجيا في العالم العربي.
وقد سبق لي ان عالجت موضوع السياسات العلمية في الوطن العربي عديدا من المرات , تقديرا لأهمية البحث العلمي في اكتساب اسباب التقدم.
وكانت أول محاولة فكرية شاملة لي في دراسة بعنوان مستقبل البحث العلمي في الوطن العربي نشرت في كتابي الزمن العربي والمستقبل العالمي القاهرة دار المستقبل العربي عام 1998.
(يُتْبَعُ)