فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أم كانت غفلة الصالحين الذين فرحوا بما أوتوا من المؤسسات الدينيّة المحصورة التأثير، فظنُّوها (الفتح الأعظم) ، الذي تحقّق على يد (وليّ الأمر) (إمام المسلمين) !، بينما لم يكن الأمر سوى توظيف للدين في بيئة (تشاكله) ، لإشغالهم ـ إلى حين ـ عن مخطط عالمي يُبني على حطام حضارتهم، ويستقي وقوده من ثرواتها، ويحقق أحلامه العالمية على حساب مستقبلها، وآمالها،
أم كانوا يعلمون غير أنهم كانوا في حال العذر بالعجز، لا الجهل.
وهل هم أفاقوا الآن؟! أم لازال كثيرٌ منهم في سباتهم، أم أنهم يخشون الإفاقة، هروبا من صدمة الحقيقة؟!
ذلك أنّه من المحال أن يطلع أيُّ باحث على رسالة الإسلام، دون أن يرى حقيقة ناصعة، ساطعة كالشمس في رابعة النهار، وهي أنَّ حضارته تقوم على ثلاثة أركان عظام:
1ـ أنّه جاء بحضارة تجعل التحرُّر من جميع أشكال التبعيّة للغير مكوّنها الحضاري الأعظم، وذلك يشمل كلّ أنواع التبعية، السياسية، والإقتصادية،والثقافية، والتشريعية، حتى جعلت رسالة الإسلام تلك (التبعية) بالمعنى العصري، (الموالاة للكافرين) بالمعنى الشرعي، مروقًا من الإيمان (ومن يتولهّم منكم فإنّه منهم) .
وحتّى التوحيد، عنوان الإسلام، إنمّا هو تحرير الإنسان من التبعيّة لغير الله تعالى، فلايُعبد غيره، ولا يُتحاكم لسواه، ولا يخُضع لغير شريعته.
ولعمري لا أستطيع أن أفهم حتى اليوم، حلّ التناقض بين أنَّ الفكر القومي، وهو أبعد ما يكون عن نصوص الوحي، يقوم على هذه الفكرة الإسلامية أصلا، (التحرُّر من التبعيّة للغير) ، لكن بمنطلق (عروبي) حتى وقف في كثيرٍ من الأحيان دون إسلام الأمّة (العربية) للعدوّ الغربي، بتضحيات لاتُنكر،
بينما ترفض هذه الفكرة عمليّا (السلعمانية) المتخصّصة في علوم الشريعة! حتى لقد نظّرت لتلك (التبعيّة) بفتاوى أثارت سخرية الساخرين، إذ خرّجتها تحت حكم المعاهدين والمستأمنين و أهل الذمّة! في أحكام الشريعة، والمفارقة أن هذه الأبواب الثلاثة، أصلا تابعة لباب الجهاد الذي يحاربونه؟!!
2ـ أنَّ الإسلام لايعترف أصلًا بنظام سياسيّ يقوم على (الرابطة الترابية للدولة القطرية بالفكرة الأوربية) ، فهو يربط النظام السياسي بالعقيدة رأسًا، فالعقيدة وحدها هي الأساس الذي يقوم عليه، وتقسيمه هو: (دار الإسلام) ، (دار الكفر) ، ولهذا فالرابطة الإسلامية، هي وحدها (جنسيّة دولته) ، ولهذا يجعل المفارق لها حينئذٍ (خلع ربقة الإسلام من عنقه) و (مات ميتةً جاهلية) كما ورد في الحديث.
ولا وزن فيه لأيّ نظام لايخضع لإستقلال الإرادة التشريعية للأمّة ـ السيادة للشريعة وحدها ـ (والله يحكم لامعقّب لحكمه) (ولايشرك في حُكمه أحدًا) ، في كلِّ شؤون الحياة، وعلى رأسها الشأن السياسي، الذي يدخل تحته الخطوط الرئيسة لرسالة الإسلام: إستقلال الأمّة، وتنفيذ رسالتها العالمية، و الموالاة بين أبناءها في كلّ العالم، ونصرة المسلمين في الأرض، والجهاد لتحقيق تفوقه الحضاري العالمي.
وهذا المكوِّن الثاني جاء ليحفظ الأمَّة من توظيفها لأطماع أيّ نظام دولي، يبدأ بتمزيقها إلى روابط أخرى، ترابية، وعنصرية ,,,إلخ، ليضعفها، ويذهب ريحها، ويفشل دورها الحضاري العالمي.
3 ـ أنَّ الأمّة هي الأصل الأصيل في هذه الحضارة، والنظام السياسي ليس سوى أداة يجب أن تكون طيّعة بيدها، ولهذا جاءت النصوص تخاطبها مباشرة، (كنتم خير أمّة أخرجت للناس) ، (وكذلك جعلناكم أمّة وسطا) (ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير) ونظائرها كثيرٌ في نصوص الوحيين،
وليس في القرآن آية تتعلق بهذا الشأن إلاّ وهي توجّه الخطاب للأمّة، وأنَّها بُعثت لتؤدّي دور القيادة العالميّة، ولاعذر لها أن تتخلَّى عن هذه الفريضة العظمى، وعليها أن تختار نظاما سياسيا ليؤدّي هذا الدور، فإنْ فشل ـ وأعظم الفشل أن يسخّر الأمّة لغيرها بل هي الخيانة العظمى ـ فالأمّة مكلّفة بإزاحته، وهذه الفريضة من أعظم الفرائض، وأوجب الواجبات.
(يُتْبَعُ)