فهرس الكتاب

الصفحة 21732 من 28557

قلت: بل الحديث صحيح، وقد صححه المنذري في"الترغيب"وابن حجر الهيتمي في"الزواجر"وغيرهم، وإطلاق الغامدي الضعف على شداد بن سعيد تهور بيّن، فأكثر النقاد على توثيقه، وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو خيثمة والنسائي وابن حبان والبزار، وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا وأرجو انه لا بأس به، وروى له الإمام مسلم، فهو ثقة.

الدليل العاشر: قال الغامدي: (واحتجوا بحديث أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة نبايعه فقلنا يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف قال: فيما استطعتن وأطقتن، قالت فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله:(إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة) .

قلت أخرجه أحمد والحاكم وأصحاب السنن وإسناده ضعيف تفرد محمد بن المنكدر به، وهو كثير الإرسال روى عن كثير من الصحابة، وهو لم يلقهم أو يسمع منهم، ولم يتابعه عليه أحد، وأميمة لم يروى لها إلا هذا الحديث وفي معناه نكارة فضلا عن مخالفته لما صح.

أما النكارة ففي قوله «فيما استطعتن وأطقتن» فقيده بالطاقة مع تضمنه أعظم المنهيات وهو الشرك وترك الشرك لا يحتاج فيه المكلف إلا الكف عنه، ولذلك لم يرد التقييد بالطاقة في المنهيات، وإنما جاء في المأمورات. والمخالفة لما جاء في النصوص الصحيحة الدالة على خلافه).

قلت: هذا كلام جاهل بالحديث ودرايته، فمحمد بن المنكدر إمام ثقة، وقد سمع هذا الحديث من أميمة كما جاء مصرحًا به عند الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما.

والإرسال في الحديث من الراوي لا يعد من أسباب جرحه.

وقد قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، ويكفيه متانة أنه من أحاديث"الموطأ"أصح الكتب تحت أديم السماء، فأي تهور هذا التهور؟!

كيف والحديث يشهد له غيره من الأحاديث المرفوعة والمرسلة؟

ودعواه أنه قوله صلى الله عليه وسلم: (فيما اسطعتن وأطقتن) منكر! قول باطل، وفهم سقيم، فهذا القيد إنما هو فيما قبله من قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا نعصيك في معروف) وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، فهل يدخل في هذا الحديث! فيقول الغامدي بنكارته أيضًا وهو في"الصحيحين"؟

أما دعواه المخالفة فهمط من القول، ولم يأت بدليلٍ واحدٍ صريح صحيح يدل على مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، كيف وعامة الأدلة تدل على خلاف ذلك كما تقدم؟

الدليل الحادي عشر: قال الغامدي: (واحتجوا بحديث أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع نساء المسلمين للبيعة فقالت له أسماء ألا تحسر لنا عن يدك يا رسول الله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم(إني لست أصافح النساء ولكن آخذ عليهن) .

قلت: أخرجه الحميدي والطبراني في الكبير وإسناده ضعيف في سنده شهر بن حوشب وهو ضعيف).

قلت: بل هو حسن لذاته لأن شهر بن حوشب صدوق، كما قاله الحافظ ابن حجر، وقد حسنه الحافظ في"فتح الباري" (13/ 204) .

كيف والحديث السابق يشهد له ويقويه؟ وفي الباب أحاديث أخرى تؤكد هذا الأصل.

ثم ذكر الغامدي أحاديث أخرى كلها ضعاف لا سبب لذكرها غير إظهار ضعف حجة المخالف، مع قوة الأحاديث الدالة على المنع من الاختلاط والمصافحة، ولكنه يستكثر من إيراد أمثال هذه الأحاديث ونقدها كي يظهر للناظر ضعف حجة المخالفين له!

فصل

في خاتمة مقال الغامدي أعاد تقرير أصله الفاسد، وفهمه الخاطئ، وقرر جواز الاختلاط في الأسواق والمحال للبيع والشراء أو العمل والدراسة، والمساجد والمصليات، والطرقات، وغيرها من الأماكن.

وزعم أنه لا يوجد نص لمن قال بتحريم شيء من ذلك دون شيء في غير تهمة أو مزاحمة.

وكل هذا من التلفيق والتزوير، والقول على الله بغير علم، وليت شعري كيف يحمي الإنسان نفسه من أشد فتنة خافها علينا النبي صلى الله عليه وسلم وكلّ هذا يباح له؟

وما ضابط المزاحمة التي تعد شرطًا لمنع الاختلاط، وقد أباح الغامدي المصافحة (ونحوها!!) ؟

وأي أصل مزعوم باطل يفتريه الغامدي، والأصل في نصوص الشرع التفريق بين الجنسين في مواطن عدة من أمور الدين، وهي مواطن العفة والتعبد، فكيف بأمور الدنيا التي يركز فيها الشيطان رايته؟

ولعل الناظر يلحظ في مقال الغامدي ليقف أمرًا خطيرًا لعله يوعظ به، وهو أن من دلائل زيغه إعراضه كلام العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، ووكل الأمر إلى فهمه واستدلاله! وهذه آفة الآفات.

بل زاد على ذلك استهجان قول أهل العلم، والتعريض بهم، والتهكم بدينهم، فتراه يقول عن المخالفين له -ومنهم من مرّ ذكره في الكتاب-: أنهم جاءوا بالـ (مد سلبي على تراثنا الفقهي) وأنهم أهل (التناقض المذموم شرعًا) و (يتعقبون ويزايدون على الشرع ويزعمون بعد ذلك أنهم آمنوا بالله!!) و (لم يقتفوا هدي المجتمع النبوي!) ووصف منعهم من الاختلاط بـ (الضجيج!!) وأنه (ليس مع المانعين دليل إلا ضعيف الإسناد، أو صحيح دلالته عليهم لا لهم) فكأن كلّ أولئك الأئمة إنما تكلموا من فراغ! وأن منهم (المتحكم بغير برهان) و (المتهوك الضال!!) وأن المانعين (يزايدون على تقوى السلف!) وأنهم (لم يميزوا أو يريدون التلبيس!) وأنهم (عوام وأشباه العوام) وأنهم (يفتاتون على الشرع!! ويبتدعون في الدين!!) وغير ذلك من العبارات التي يطلقها على الأئمة أمثال ابن قدامة وابن عبدالبر والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر وابن باز وأمثالهم رحمهم الله، فهم فريق، والغامدي ومن جاء منافحًا عن فكرهم فريق (فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام:81) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه

بدر بن علي بن طامي العتيبي

الأحد 26 ذو الحجة 1430هـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت