فهرس الكتاب

الصفحة 21790 من 28557

كالذي قال:أنت عبدي وأنا ربك, فهذا نعم لا يكفر

اعتبار القصد في الحكم على الأعمال قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا) ، وقوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ، قال الله تعالى: نعم قد فعلت.رواه مسلم، ومن السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... ) ، وقوله في الحديث الصحيح: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده، حين يتوب إليه؛ من أحدكم؛ كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه؛ فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك؛ إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال - من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح) . قال عياض: فيه أن ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان منكرًا ما حكاه، والله أعلم. وقد أجمع أهل العلم على ما دل عليه الكتاب والسنة من اعتبار القصد في الحكم على الأعمال، وأن الإنسان لا يؤاخذ على ما لا يقصد ...

سبق أن الكلام وإن كان معناه صريحًا؛ فإن احتمال أن يكون معناه عند المتكلم به غير معناه في الحقيقة، واحتمال أنه لم يقصده؛ بأن سبق لسانه به دون قصد؛ يتطلب التحقق والتبين؛ فهذه علة القول بأن الحكم على المتكلم يتطلب التحقق والتبين.

أما لو استحضر المعنى وقالها دون قصد الإساءة ولا الاعتقاد بل كان مازحا, أو ما أشبه ذلك أيا كان

فهو كافر اتفاقًا ومن قال بغير هذا فهي أمارة تلبسه بالإرجاء.

قال تعالى"لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"وكانوا اعتذروا بأنهم غير قاصدين"إنما كنا نخوض ونلعب"فلم يقبل الله عذرهم"أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون".. وجاء الحكم القاطع"قد كفرتم"وأثبت لهم الإيمان قبله"بعد إيمانكم"

وازن هذا بما يأتي، وانظر ما الكلام الذي فيه خلط، وما الكلام الأوضح والأدق:

والذين استهزؤا بآيات الله قد عرفوا أن عملهم محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا؛ إذا كانوا مازحين غير جادين؛ فقد قصدوا ذلك الكلام، ولم يقصدوا الكفر، ولا استحلال المحرم، كما بين الله أن ذلك لا يكون إلا ممن شرح صدره به، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بذلك الكلام.

فلا يصح القول بأنهم لم يقصدوا الفعل ولاأرادوه.

المرتبة الثانية: أن يقصد الكلام دون السب؛ بمعنى يقصد ما يدل على السب، لكنه مازح غير جاد؛ فهذا حكمه كالأول؛ يكون كافرًا؛ لأنه استهزاء وسخرية. [وهذه حال الذين قال الله تعالى فيهم: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل: استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب قل: أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم طائفة بأنهم كانوا مجرمين) [التوبة: 64 ـ 66] .

فالذين استهزؤا بآيات الله قد أرادوا ذلك، بمعنى أنهم أرادوا ما يدل عليه كلامهم من الاستهزاء، ولم يريدوا الكفر؛ لأنهم لم يظنوه كفرًا؛ إذا كانوا مازحين غير جادين؛ فقد قصدوا ذلك الكلام، ولم يقصدوا الكفر، كما بين الله أن ذلك لا يكون إلا ممن شرح صدره به، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بذلك الكلام.

الخلط في كلامه موجود, أما ما قررته أنت فصحيح

فقوله: فلا يقال: مناط التكفير هنا هو القول والفعل فقط لا الاعتقاد وأعمال القلوب، ولا أنه لا يشترط في التكفير بالقول أو العمل وجود الكفر الباطن.

بل يقال ذلك , والواقع يصدقه , كمن يحكي"ُطرفة"عن الأنبياء بقصد إضحاك الآخرين لا غير,

وهو مع هذا يصلي ويصوم ويؤمن بوحدانية الله وعامة هذه المسائل

مناط التكفير بالقول والفعل الظاهر استلزام ذلك القول والفعل لكفر الباطن؛ فلا يقال: مناط التكفير هنا هو القول والفعل فقط لا الاعتقاد وأعمال القلوب، ولا أنه لا يشترط في التكفير بالقول أو العمل وجود الكفر الباطن.

مناط التكفير لا يقال: إنه القول فقط لا الاعتقاد وعمل القلب، ولا يشترط فيه وجود الكفر الباطن؛ لأن القول المعتبر لا يكون إلا مقصودًا معبرًا عما في القلب، أما القول الذي يكون بدون قصد له (لمعناه) ، ويكون غير لازم لما في القلب؛ فهو لغو. والاستهزاء بآيات الله كفر بالقول؛ لكونه مستلزمًا لكفر الباطن؛ لا يكون إلا ممن شرح صدره به، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بذلك الكلام. وكونه يصلي، ويصوم، ويؤمن بوحدانية الله، وعامة هذه المسائل؛ لا ينافي كفره بعدم تعظيم الله والذل له الذي يمنعه أن يتكلم بذلك الكلام.

فمجرد العمل الكفري أو القول المكفر يقع به التكفير وليس المناط هو وقوع كفر الباطن والحكم إنما يناط بالظاهر لا بشيء خفيّ لا يُعلم

وأما القول بأن الكفر العملي الأكبر مسلتزم لكفر الباطن فهذه مسألة أخرى

وازن هذا بهذا:

ورد نص لشيخ الإسلام هذا لفظه (الفتاوى 14/ 120) :

(وما كان كفرا من الأعمال الظاهرة: كالسجود للأوثان وسب الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مستلزما لكفر الباطن وإلا فلو قدر انه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود لهبل قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرا وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فاسلموا على يديه ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر) انتهى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت