-كيف يكون ابن كثير قد تصوف في آخر عمره و صحب نجم الدين الأصبهاني (حسب قول الشيخ ياسين: ... في أخريات عمره رجع واعترف وتتلمذ ودخل في صف الشاذلية) . و الشيخ نجم الدين قد توفي سنة 721 هـ كما في الوافي بالوفيات , بينما كانت ولادة ابن كثير سنة700 هـ.أي أن عمر ابن كثير عند وفاة نجم الدين كان إحدى وعشرين سنة تقريبا.
-كل من ترجم لابن كثير رحمه الله لم يذكر أنه كان صوفيا أو شاذليا , و لسنا واجدين في كتبه التي بين أيدينا ذكرا لهذا الأمر و لا إشارة.
-الذين يلقبون بعماد الدين في زمن الذهبي بل ومن شيوخه الذين ذكرهم في معجم شيوخه خلق كثير جدا , فلم لا يكون المقصود رجلا آخر غير ابن كثير؟
و للإجابة عن هذا التساؤل نطل بسرعة على ترجمة نجم الدين الإصبهاني فنجد: (نجم الدين الإصبهاني عبد الله بن محمد بن محمد بن علي، الإمام القدوة شيخ الحرم نجم الدين الإصبهاني الشافعي المجاور. ولد سنة ثلاث وأربعين وستمائة وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وصحب أبا العباس المرسي تلميذ الشاذلي وتفقه وبرع في الأصول، ودخل في طريق الحب صحبة الشيخ عماد الدين الحزامي، وكان شيخًا مهيبًا منقبضًا عن الناس وجاور بضعًا وعشرين سنة.) الوافي بالوفيات ص 321ج 17.
ومن هذا النص يتبين لنا أن المقصود بعماد الدين هو الشيخ عماد الدين الحزامي و ليس عماد الدين بن كثير.
كما نجد نصا آخر يؤكد ذلك حيث يقول الذهبي:
(قلت: كان شيخنا عماد الدين الخزامي يعظم أبا العباس، ويذكر أن شيخه نجم الدين الإصبهاني صحبه وأخذ عنه طريق السَّير، وكذالك صحبه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله والله أعلم بحقيقة سره. وكان من الشهود بالثغر.) تاريخ الإسلام 256/ 51.
و الذي ترجح لي بعد البحث أن الشيخ عماد الدين الحزامي هو الشيخ أحمد بن ابراهيم بن عبد الرحمن عماد الدين ابن شيخ الحزامية المتوفى سنة 711 هـ. و قد جاء في ترجمة ابن رجب له في ذيل طبقات الحنابلة:(أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مسعود بن عمر الواسطي الحزامي، الزاهد القدوة العارف، عماد الدين أبو العباس، ابن شيخ الحزاميين: ولد في حادي عشر - أو ثاني عشر - ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة بشرقي واسط.
وكان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية. ونشأ الشيخ عماد الدين بينهم، وألهمه اللّه من صغره طلب الحق ومحبته، والنفور عن البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عز الدين الفاروتي وغيره. وقرأ شيئًا من الفقه على مذهب الشافعي. ثم دخل بغداد، وصحب بها طوائف من الفقهاء، وحج واجتمع بمكة بجماعة منهم. وأقام بالقاهرة مدة ببعض خوانقها، وخالط طوائف الفقهاء، ولم يسكن قلبه إلى شيء من الطوائف المحدثة. واجتمع بالإِسكندرية بالطائفة الشاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوايح المعرفة، والمحبة والسلوك، فأخذ ذلك عنهم، وانتفع بهم، واقتفى طريقتهم وهديهم.
ثم قدم دمشق، فرأى الشيخ تقي الدين ابن تيمية وصاحبه، فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى من جميع طرائقه وأحواله، وأذواقه وسلوكه، واقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه، وطرائقه المأثورة عنه في كتب السنن والآثار، واعتنى بأمر السنة أصولًا وفروعًا، وشرع في الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبين عوراتهم، وكشف أستارهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد. وبلغني: أنه كان يقرأ في"الكافي"على الشيخ مجد الدين الحراني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. واختصره في مجلد سماه"البلغة"وألف تآليف كثيرة في الطريقة النبوية، والسلوك الآثري والفقر المحمدي؛ وهي من أنفع كتب الصوفية للمريدين، انتفع بها خلق من متصوفة أهل الحديث ومتعبديها.)ذيل طبقات الحنابلة ص 358 ج2.
و لعل تتلمذه على شيخ الإسلام ابن تيمية و تمسكه بالسنة و محاربته للبدع هو السر في قول الذهبي عنه (ورأيت شيخنا عماد الدين قد فتر عنه في الآخر، وبقي واقفًا في هذه العبارات حائرًا في الرجل)
و في هذا ما يكفي لبيان براءة الحافظ ابن كثير من التصوف و من الطريقة الشاذلية , فعماد الدين المذكور في النص , المقصود به عماد الدين الحزامي الذي بين الذهبي أنه قد فتر عن الشاذلي بسبب مانقل عنه من العبارات المخالفة للحق, وقد رأينا في ترجمة ابن رجب له كيف أنه تخلى من جميع طرائقه و أحواله و أذواقه و سلوكه و اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه و سلم وهديه. فلا مجال للصوفية بعد ذلك للاستدلال بهذا النص , إذ هو ضدهم كيفما قلبوه.
و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
أهم المصادر و المراجع:
* تاريخ الاسلام - الذهبي -ت الدكتور عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربي بيروت - الطبعة الاولى -1409 هـ 1989م.
* ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي - تصحيح محمد حامد الفقي - ط مصر 1372 هـ
* الوافي بالوفيات - الصفدي - دار احياء التراث العربي - بيروت لبنان - الطبعة الأولى 1420هـ 2000م
(يُتْبَعُ)