فهرس الكتاب

الصفحة 21968 من 28557

(وقال تعالى:(الله نور السموات والأرض) هل فهم أحد من السلف أنه هو ذلك النور الفائض على الحيطان والجدران المنتشر في الجو؟ جل مقام العلماء بالله وكتابه أن يفهموا هذا المعنى الظاهر العامي. قال حبر الأمة ابن عباس فيما رواه عنه الطبري بالسند الصحيح: الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض. وروى نحوه عن أنس بن مالك. وروى عن مجاهد أن معناه المدبر. ورجح الإمامُ الأوّلَ وزيف ما عداه … تعالى الله عن صفات الأجسام وسمات الحدوث. وهكذا لو استقريت أقوال السلف من مظانها لرأيت الكثير الطيب من بيان المعاني اللائقة بالله تعالى على سبيل التعيين، فمن نقل عدم التعيين مطلقًا عن السلف فما دقق البحث ولا اتسع اطلاعه) اهـ.

وقال أيضًا مُوضّحًا هذا المعنى:

(تنبيه مهم: إذا سمعت في عبارات بعض السلف"إننا نؤمن بأن له - تعالى - وجها لا كالوجوه ويدًا لا كالأيدي"فلا تظن أنهم أرادوا أن ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض، فجزءٌ منها يدٌ وجزءٌ منها وجهٌ غير أنه لا يشابه الأيدي والوجوه التي للخلق!! حاشاهم من ذلك، وما هذا إلا التشبيه بعينه، وإنما أرادوا بذلك أن لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني، وصفة من الصفات التي تليق بالذات العلية كالعظمة والقدرة، غير أنهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيبًا من التهجم على ذلك المقام الأقدس) اهـ.

وجاء في كتاب تاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله - (1/ 237) ما نصه:

(فهل يتصور أن الذين يبايعون النبي 'تحت الشجرة عندما يتلون قوله تعالى(إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيما) يفهمون أن اليد هنا يد ليست كيد المخلوقات - يعني يدا حقيقية كما يقول أصحاب الظاهر ولكنها ليست كيد المخلوقات - ولا يفهمون أن المراد سلطان الله تعالى وقدرته، بدليل ما فيها من تهديد لمن ينكث بأن مغبة النكث تعود عليه. ولذلك نحن نرجح منهاج الماتريدي ومنهاج ابن الجوزي ومنهاج الغزالي، ونرى أن الصحابة كانوا يفسرون بالمجاز إن تعذر إطلاق الحقيقة، كما يفسرون بالحقيقة في ذاتها) اهـ.

يؤيد هذا ما نقل عن جماعات منهم من التصريح بذكر هذه المعاني المجازية مثل سيدنا ابن عباس وابن مسعود وعلي رضي الله عنهم والحسن البصري ومالك والأوزاعي وقتادة والثوري ومجاهد وعكرمة رحمهم الله وغيرهم ممن تزخر بنصوصهم كتب التفسير والحديث وغيرها.

هذا الكلام من أبطل الباطل وأشنعه ... وهؤلاء (أهل التفويض) وصفهم ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه: الصواعق المرسلة ب: أهل التجهيل ... حيث قال:

"أصحاب التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يدرى ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرؤها ألفاظ لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه الله تعالى ..."

وبنوا هذا المذهب على أصلين:

أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.

والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله.

فنتج من هذه الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرؤون هذه الآيات المتعلقة بالصفات ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما أريد به، ولازم قولهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه."اهـ"

فنسبة التفويض إلى السلف الصالح من جملة الأخطاء الفاحشة في تاريخ العقيدة الإسلامية، وتوارث هذه الفكرة الخاطئة جيلا بعد جيل إلى وقتنا الحاضر حتى صارت لدى كثير من المسلمات التي لا يتطرق إليها الجدل ...

وقد عرض هؤلاء مذهب التفويض منسوبا إلى السلف بازاء مذهب التأويل منسوبا إلى الخلف، بوصفهما مذهبين لأهل السنة الأخذ بأي منهما دون حرج، حتى صار هذا التقسيم سنة ثابتة يأخذها اللاحق عن السابق، وطريقا يسلكه أهل البدع والتحريف لتبرير وترجيح مذهبهم ...

يضاف إلى ذلك أن مقالة التفويض لم يكن لها أثر حتى نهاية القرن الثالث، مع فشو مقالة التعطيل والتأويل ... يدلك على هذا ردود أهل السنة على الزائغين في باب الصفات، ومن هذه الردود: رد الإمام الدارمي على بشر المريسي ...

هذا كله استفدته من رسالة الشيخ الفاضل: أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي

مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات، عرض ونقد

وأظنها مصورة على الشبكة ...

والله أعلم

ـ [أسامة بن الزهراء] ــــــــ [31 - Dec-2009, مساء 11:51] ـ

(فهل يتصور أن الذين يبايعون النبي 'تحت الشجرة عندما يتلون قوله تعالى(إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيما) يفهمون أن اليد هنا يد ليست كيد المخلوقات - يعني يدا حقيقية كما يقول أصحاب الظاهر ولكنها ليست كيد المخلوقات - ولا يفهمون أن المراد سلطان الله تعالى وقدرته، بدليل ما فيها من تهديد لمن ينكث بأن مغبة النكث تعود عليه. ولذلك نحن نرجح منهاج الماتريدي ومنهاج ابن الجوزي ومنهاج الغزالي، ونرى أن الصحابة كانوا يفسرون بالمجاز إن تعذر إطلاق الحقيقة، كما يفسرون بالحقيقة في ذاتها) اهـ.

ويعلق الشيخ وفقه الله على كلام أبي زهرة، ص 270:

"إن الشيخ محمد أبا زهرة - عفا الله عنه - ينفرد بين الأولين والآخرين بوصف السلف الصالح بالأخذ بالمجاز وسلوك سبيل التأويل. وقد أطبق الجميع على مجانبة السلف للتأويل، وإنما ضل الأكثرون بنسبة السلف إلى التفويض."اهـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت