فهرس الكتاب

الصفحة 21973 من 28557

ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة. بمعنى: أن إطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العليِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه -بالتداعي - وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة (عليه) حقيقة والذي دفع الأشاعرة إلى هذا القول، مجادلتهم للطبائعيين الذين ينسبون للطبيعة كل التأثير والاستقلال بالفعل فردوا عليهم هذا الاعتقاد بأن نزعوا من الطبائع صفة الفاعلية وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالًا وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد.

أهمية البحث:

تكمن أهميته في بيان خطأ هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الإنسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل. والمهم هنا ألا نلوي أعناق آيات القرآن، وأن نركب الذلول والصعب في ذلك، لنوافق مذهبًا بعينه، أو فكرة ما تركزت في ذهن صاحبها، ويريد أن يوجد لها أساسًا شرعيًا في كتاب الله عز وجل وقد رأينا هذا المنهج لدى بعض الذين أغراهم الفكر الوارد في بعض مظاهره، فحاولوا عقد صلة بينه وبين النصوص الدينية فجاء عملهم هذا بعيدًا عن روح النص المقدس كما رأينا له مظهرًا آخر لدى أصحاب العقائد الباطنية المنحرفة.

وتكمن الأهمية في خطأ المسارعة بالحكم على كل من خالف في جانب من جوانب الفكر القابل للإجتهاد بالكفر والضلال وما شاكل ذلك، بل لا بد من المناقشة الموضوعية، والحوار الهادف، للوصول إلى غاية الهدف.

ومن الأهمية بيان أنه (من أنكر وجود المسببات مرتبة على الأسباب في الأمور الصناعية أو لم يدركها فهمه، فليس عنده علم بالصناعة ولا بالصانع كذلك في جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم، فقد جحد الصانع الحكيم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا… وأبطل الحكمة وأبطل العلم، وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها، والحكمة هي معرفة بالأسباب الغائبة) (1) ولهذا عبر الدكتور أبو العلا عفيفي عن قانون السببية بأنه عقيدة (2) وعبر غيره ممن خالف قانون السببية وقال بالعادة بعقيدة العادة في مواجهة عقيدة (قانون السببية) .

خطة الموضوع ومنهجه:

جاء الموضوع في مبحثين وعدة مطالب سلك الباحث فيه المنهج الوصفي وكان المبحث الأول بعنوان عقيدة العادة ما لها. وتحته ثلاثة مطالب: الأول: مفهوم العادة. المطلب الثاني: دوافع القول بعقيدة العادة، والمطلب الثالث: الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة وذكر فيها حجج الأشاعرة وموقفهم من المخالفين.

المبحث الثاني: عقيدة العادة وما عليها، المطلب الأول: نقد مفهوم العادة، المطلب الثاني: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد، المطلب الثالث: عقيدة العادة مبطلة لظاهر القرآن، والمطلب الرابع: عقيدة العادة مخالفة لما كان عليه السلف الصالح، والمطلب الخامس: عقيدة العادة مبطلة لمبادئ العلوم وقوانين السببية. والمطلب السادس: وجوب ترتب المسببات على الأسباب دون محذور كإنكار المعجزات أو النبوات وما في حكمها وبهذا يكون المبحث الثاني ردودًا على ما جاء في المبحث الأول وتقريرًا للعقيدة الحقة.

وفي نهاية المطاف يتبين لنا أن إثبات قضايا الدين لا تقوم على إنكار مبادئ العلوم، وليس في القرآن الكريم شيء يتعارض مع القوانين العلمية، بل العكس تمامًا، فالعقيدة تقوم على الفهم السليم لسنن الله في كونه والتأمل والتدبر للنظام الكوني، وأي اكتشاف جديد لأسرار هذا الكون أو اختراع مبدع إنما يدل على عظمة الله وقدرته التي لا حدود لها لا كما يظن البعض أن إثبات الإبداع للإنسان مخل بأصول الدين ومعطل للتوحيد ومانع من إثبات النبوات والمعجزات.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت