فهرس الكتاب

الصفحة 21974 من 28557

والأدلة الحسية التي يقيمها القرآن هي دلائل واضحة على قدرة الله سبحانه لا كما يعتقد البعض بضرورة تأويل هذه الأدلة وصرفها عن ظاهرها حتى يتم لهم إثبات قدرة الله، فإن قال قائل: ليس في الماء قوة إثبات، ولا في النار قوة إحراق ولا في الخمر إسكار ولا في الأرض جاذبية ولا في العين قوة إبصار، ولا في الأذن قوة سمع، ثم قال للناس هذه أدلة التوحيد، لنفر الناس عن دين الله، ومنع القرآن من أداء مهمته في البيان وجعل لأعداء الدين نافذة يبطلون من خلالها القرآن.

فالواجب الوقوف حيث وقف النص فهمًا وتدبرًا فإن النقل الصحيح مع العقل الصريح يتفقان ولا يختلفان، وإذا كان هناك خلل فإما في العقل وإما في فهم النقل أو عدم صحته.

المبحث الأول

عقيدة العادة ومالها

المطلب الأول: مفهوم العادة عند الأشاعرة

ليس هناك تلازم ضروري بين الأسباب والمسببات أو العلة والمعلول، يقول الغزالي: (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا، ليس ضروريًا عندنا) (3) بل ليس هناك علاقة تسببية بين السبب والنتيجة (…بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر) (4) .

وإذا احتج عليهم إنسان بأنه يرى دائمًا الاحتراق يعقب النار، والإسكار يعقب الخمر، تعللوا في ذلك بأنه لا يرجع إلى تلازم بين الأسباب الطبيعية، وإنما هو نتيجة الاعتياد من رؤيتهما معًا وفي ذلك يقول الباقلاني (5) : (إن ما هو مشاهد في الحس لا يوجد ضرورة ولا وجوبًا وإنما هو يجري مجرى العادة، بمعنى وجوده وتكراره على طريقة واحدة) (6) ، ثم يأتي بعده الغزالي ويتوسع في إرجاع التلازم بين الأسباب الطبيعية ومسبباتها إلى حكم العادة ويرى أن (اللازمات .. يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها، بل لزومه لحكم العادة) (7) .

وقال البغدادي: ( .. وأجازوا ـ أي الأشاعرة … أن يجمع الإنسان بين النار والقطن والحلفاء فلا تحرقها على نقض العادة .. ) (8) فليس لأية ظاهرة طبيعية فعل خاص يصدر عنها فليس في الخمر إسكار مثلًا وأنه لا مقوم داخلي لأي جسم يجعل منه فاعلًا إذ أن الأجسام منفصلة إلى أجزاء فهي جواهر فردة لا يربط بينها إلا بالقدرة الإلهية (9) والسبب في الحقيقة لا أثر لها البتة بدليل إمكان انفكاك المسببات عن أسبابها ولكن اعتاد الناس وألفوا هذا الاقتران بينهما فحكموا بالضرورة وليس لديهم من حجة إلا المشاهدة يقول الغزالي (فإن اقترانها بما سبق من تقدير الله ـ سبحانه، يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريًا في نفسه .. بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة) (10) وإن كان الناس لم يألفوا هذه الأمور أو ألفوا بعضها، ولم يألفوا جز الرقبة مع بقاء الحياة (… فأما النار وهي جماد، فلا فعل لها، فما الدليل على أنها الفاعل، وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق…) (11) فهي العادة لا أكثر وإلا فلا شيء يفعل في شيء.

ويشرح الدكتور البوطي عقيدة العادة عند الأشاعرة بالانقضاض على علاقة الأسباب بمسبباتها فيقول: (…وإذًا فما معنى كون هذه الأمور أسبابًا؟ .. إن معنى ذلك محصور في أن الله ـ عز وجل ـ ربط بينهما وبين أمور أخرى بمحض إرادته وقدرته فقط، فظهر استمرار هذا الارتباط أمامنا بمظهر السببية والتأثير فاستعرنا له كلا من هاتين الكلمتين على سبيل المجاز) (12) وهذا معناه أنه لا يوجد سبب حقيقي ولا علة حقيقية لها تأثير في مسببها ومعلولها، ونفي السببية والعلية سمة واضحة في المذهب الأشعري (13) بل يذهب البغدادي إلى القول بأن أهل السنة أجمعوا على أنه لا أثر البتة للطبائع (وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع) (14) حتى بلغ الأمر بالأشاعرة تحقيقًا لعقيدة العادة، وردًا للسببية أن منعوا أن يقال للشيء احترق بالنار وإنما احترق عندها يقول الغزالي: (فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به) (15) فالأدلة الحسية المشاهدة لا تكفي عندهم في إثبات باء السببية وهكذا تم التعامل مع آيات الذكر الحكيم الواردة بباء السببية كما سيأتي. وكذلك الآيات التي رتبت النتائج على الأسباب. بل التجارب العلمية والأدلة العقلية لا تستقيم كأدلة عند الأشاعرة في رد عقيدة العادة ولهذا يقول الغزالي في

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت