وعليه، فالعقل من أقوى أسباب الردّ على المخالفين إذا سخر للكتاب والسنة، وهذا كان منهج السلف الصالح في الفترات التي ظهرت فيها البدع العقلية، أمّا قبل ذلك فالأمر مختلف، أقصد أنّ السلف كانوا إذا حاجّهم مبتدع بالنصوص ردّوا عليه بالنصوص، وإذا حاجهم بتأويل النصوص ردوا عليه برد تأويله، وإذا حاجهم بدلالة اللغة ردوا عليه بدلالة اللغة4، وإذا حاجهم بدلالة العقل ردوا عليه بدلالة العقل ولكنهم دائما يجعلون كلام الله ورسوله أولا ثم يعضدوا الرد باللغة والعقل والضرورة، كما هو ظاهر في مناظرة أحمد للجهمية، وكلامه عن حجة المعتزلة في التركيب بذكر مثال النخلة، وكما فعله غيره.
قال شيخ الإسلام في"الدرء" {172/ 7} :"والمقصود هنا أنّ السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضه وإن كانوا في ذلك درجات، وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك، بل هذا يقوم بالبعض، وهذا يقوم بالبعض، كما في نقل الحديث عن النبي وغير ذلك من أمور الدين"
وعليه وجب فهم كلام الأئمة والتفريق بين مدلول العقل عندهم، ومدلوله عند المتكلمين، لأن المتكلمين جعلوا العقل أصل دليلهم والنقل تابع له، بخلاف أهل السنة الذين جعلوا النقل هو الأصل والعقل تابع له، ولبيان هذه المسألة أكثر حتى لا تقع شبهة أخرى أقول:
من المعلوم أنّ العقل قد يقود إلى الحق وقد يقود إلى الباطل، مثله مثل الزهد والتجرد، فمن العقلانيين والمتجردين من قادهم العقل والتجرد إلى معرفة الحق مطلقا، ومنهم من قادهم إلى الباطل، وهذا يستلزم أنّ العقل والتجرّد ليسا من الأدلة الهادية، لأن الدليل الهادي هو الدليل التام والكامل، أي: الذي لا يقود إلاّ إلى الحقّ، ولذلك كانت الرسالة أو النقل الصحيح هي الدليل الهادي، فالعقل وإن استقلّ بالعلم وهو محل له، وكذلك القلب، ولكنهما لا يستقلان بمفردهما دون دليل الرسالة: النقل في العلم الإلهي، ولذلك كان المسلمون بإزاء العقل على مواقف متباينة:
فأما المتكلمون والمتفلسفون ومن في ضمنهم فقد جعلوا العقل وحده أصل علمهم، وأفردوه دون سائر الطرق الأخرى، وجعلوا القرآن والإيمان تابعين له، فالمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن، فإذا جاءوا إلى العقيدة لم يقبلوا النصوص الصحيحة والآيات وإجماع السلف الصالح حتى يعرضوها على أصول عقلية منطقية كلية، فيعرضونها على نظريتهم في الجواهر والأعراض، وعلى مقولات المنطق، فينفون الصفات أو لا يثبتون حقيقتها لأنها تقتضي التركيب على مفهوم التركيب المنطقي المبني على مقولة الكم المتصل والكم المنفصل والغير والجزء والافتقار.
فهذا هو العقل الذي ذمه السلف وعابوه، ولم يجعلوه طريقا لهم في العلم.
أمّا المتصوفة فيذمون العقل ويعيبونه، ويرون أنّ الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلاّ مع عدمه ويقرّون بأمور يكذّب به صريح العقل، فيمدحون السكر والجنون والوله والحيرة وأحوال لا تكون إلاّ مع زوال العقل و التمييز.
فأعلى المقامات عندهم الفناء الذي هو عبارة عن تلاشي و اضمحلال قدرة التمييز العقلي حتى تختلط الموجودات في الذهن، فالمتصوفة يمدحون زوال العقل، وليس هذا مذهب السلف الصالح.
أمّا العقل عند أهل السنة فهو شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، ولكنه لا يستقل بذلك، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفين في العقل قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقا صحيحا، وهي باطل وغلط عارضوا بها النبوات، أمّا المعرضون عن العقل فصدقوا بأشياء باطلة ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم
ومن أهل الحديث من يقترب إلى المتكلمة فيعارض به السنن الثابتة، ومنهم من يقترب إلى المتصوفة فيعزله عن محل الولاية، ومثل ما هم في العقل هم في الوجد و التجرد سواء بسواء"المجموع"بتصرف.
(يُتْبَعُ)