فهرس الكتاب

الصفحة 22039 من 28557

لقد مدح الله العقل والعلم والفقه في غير موضع فقال: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} "الفرقان"، وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} "الأعراف"، وقال: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} "الملك".

فالقرآن مدح التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار والفقه والعلم والعقل والسمع والبصر والنطق، فمدح العلم و أسبابه وكماله، وعليه تعرف أنّ جنس عدم العقل والفقه لا يحمد بحال في الشّرع، بل يحمد العلم والعقل، ويؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب، فهو يختلف باختلاف الشخص نوعا وعينا، إمّا لأنّه لا منفعة فيه لك أنت، أو لأنه يمنعك من علم نافع، وقد ينهى عنه إذا كان فيه مضرة لك.

ذلك أنّ من العلوم ما هو في الحقيقة جهل كعلم الفلسفة والكلام والتقليد الفاسد، ومن العلوم النافعة ما يضر بعض النفوس المريضة، لأنها تستعين به على إدراك أغراضها الخسيسة الفاسدة كالرآسة على الناس، أو الحصول على المال، كمن يحفظ القرآن وهو عمل وعلم نافع ليقرأ به على القبور و يأخذ المال، أو يتعلم الفقه ليجادل به أهل الحق ويترأس على الناس، هذه العلوم النوافع هي في مثل هذه الحالة كالمال للفاجر الفاسق، هذا في جنس العلم، وكذلك في جنس القوة التي يدرك بها العلوم، وهي القوة العقلية، وإن كان عدم جنسها في الإنسان مذموما، فإن بعض الناس لو جن لكان خيرا له، فإنه يرتفع عنه التكليف، وبالعقل يقع في الكفر والفسوق و العصيان"الاستقامة".

"ومن خلال هذا التفصيل تعلم الصواب فيما تنازع فيه أهل العلم في مسألة النظر في العلوم الدقيقة و الاستدلال فيها و الكلام عنها، فمنهم من لم يفرق بين أهل المعرفة بها و أهل الحاجة من أهلها، ويوجبون الإعراض عن تفاصيلها، وبإزاء هؤلاء من يأمر بها كل واحد، والقول الصواب أن نقول: يكره العلم إذا كان كلاما بغير علم، أو حيث يضر، فإذا كان كلاما بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به، وإن كان نافعا فهو مستحب، فلا إطلاق القول بالوجوب يكون صحيحا، ولا إطلاق القول بالتحريم يكون صحيحا، وهذا مثله مثل التقليد والاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد"أصول الفقه ضمن المجموع"."

أقول هذا لأن من أهل السنة الآن من يعادي العقل كأن بينهما عداوة، وله حساسية اتجاهه يحس بالنقص أمامه، وقد يظن أنّ العقل يخالف الكتاب ويعارضه، وليس في الكتاب أدلة عقلية وبراهين عقلية قاطعة فيقصر دلالة الكتاب على الخبر ـ كما فعل المعتزلة والأشاعرة، الذين قالوا: علم الكلام هو الحجاج عن العقيدة بالعقل كابن خلدون الأشعري، كأنّ الكتاب يحتاج إلى العقل الفلسفي والكلامي للدفاع عنه ـ، ويجرّده من البراهين، وهذا اعتقاد فاسد أوجب انصراف الناس عن استمداد العلوم من القرآن لهذا الشعور.

قال شيخ الإسلام في"الدرء" {285/ 5} :"ممّا يوضح الأمر في ذلك أنك لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ورسوله، وليس لكلام الله ورسوله في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك، فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق لا طريق علم وإيمان."

ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة وبالأدلة التي يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان، وذلك لأنا في مقام المخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق، ولكن قد يعارض ما جاء عنه بعقليات يجب تقديمها عليه، وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل، فذلك ولله الحمد هو علينا من أيسر الأمور

ونحن ولله الحمد قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم التي يعارضون بها كتاب الله، وعلمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك، و هذا ولله الحمد مما زادنا الله به هدى وإيمانا فإنّ فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق."."

فيجب في كل الأحوال تنزيل أقوال السلف على المقاصد، فلا نظلمهم، ولا نظلم أنفسنا، و يسلم لنا المنهج بكامله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت