قال شيخ الإسلام في"بيان تلبيس الجهمية" {445/ 1} :
"ولم يقل أحد من أئمة السنة: إن السني هو الذي لا يتكلم إلا بالألفاظ الواردة التي لا يفهم معناها، بل من فهم معاني النصوص فهو أحق بالسنة ممن لم يفهمها، ومن دفع ما يقوله المبطلون مما يعارض تلك المعاني، وبين أن معاني النصوص تستلزم نفي تلك الأمور المعارضة لها فهو أحق بالسنة من غيره."
فليس من السنة الجمود على ألفاظ لا تردّ بدع المبتدعة، بل بأيّ مصطلح لا يعارض مدلوله الكتاب والسنة يتم دفع المعارض للسنة فذاك هو السنة، السنة تقرير الحق ورّد ما يخالفه، ليست السنّة ترك الباطل يصول على كتاب الله وسنة نبيه، قال من رفع الذل والهوان على أهل السنة المتأخّرين وجعلهما على المبتدعة والضالين: شيخُ الإسلام ابن تيمية في"بيان تلبيس الجهمية" {ص:283/ 1} :
"وليس المراد بذلك أنهم لم ينطقوا بهذا اللفظ (الحد) ، فإنه قد تجّدد بعدهم ألفاظ اصطلاحية يعبّر بها عمّا دلّ عليه كلامهم في الجملة، وذلك بمنزلة تنوّع اللّغات، وتركيب الألفاظ المفردات."
والحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين.
أرزيو/ الجزائر في 27/ 07/2009
مختار الأخضر طيباوي
الهامش:
1 -كما يقال عندنا:"النار تخلف الرماد"قام بعض الشباب السلفي عندنا بمناقشة أقرانهم من الأشعرية أو بالأحرى بمناظرتهم، فلما انتهى القول إلى بعض سفاسف المنطق انقطع السلفيون وقالوا لخصومهم: أمهلونا ثلاث سنوات، فبعدما كان أهل السنة يمهلون المبتدعة ليأتوا بحجج تحد لهم، صار أتباع السلف يمهلون أنفسهم ليأتوا بالحجج، ولو مكث هؤلاء في بيوتهم لكان خيرا لهم، ومع ذلك تجدهم يحشرون أنفسهم ويرتبون العلماء في جداول، وهل يرتب العلماء من لا يعرف مرتبة نفسه؟
وقد اجتمع بعض الشباب من طلبة العلم الذين لم يبق ـ في ذهنهم ـ بينهم وبين العلماء إلاّ شبرا أو أقلّ بمجموعة من الشيعة فقال السني: التوحيد ثلاثة أقسام، فقال له الشيعي: هل يمكن أن أكتب هذا الكلام؟ قال السني: نعم، فكتبه الشيعي في قصاصة ثم قال للسني: هل هذا كلام الله أو كلام رسوله؟ قال السني: لا، قال الشيعي: يمكن إذا تمزيقه؟ فحار السني ولم يحر جوابا!.
ومرجع هذا الاضطراب عند السني عدم التمييز بين الأدلة الجدلية والأدلة العلمية، و أنه تلقى هذه المقولة مجرّدة عن أدلة استنباطها معتقدا أنّ الأمة توافقه على هذا التقسيم لمجرد أنّه يذكر مصطلحات لا يذكرونها.
وبعد أن التقيت بهذا السني و أخبرني بالموضوع قلت له: كان يمكن أن تأخذ ورقة وتقول لهذا الشيعي: السماء زرقاء، والأرض كروية الشكل، وأنت هنا معي لا يمكن أن تكون في قم، ثم تسأله إن كانت هذه المسائل حقا ولن يستطيع إنكارها ثم مزق الورقة، وقل له بعد ذلك: كون هذه المسائل يمكن تمزيقها لا يعني أنها ليست بحق، وكذلك قسمة التوحيد، فهذا دليل جدلي ثم تنقل له من القرآن ما يقرر قسمة التوحيد.
2 -كنت قد ذكرت في المقال السابق موقف كبار أئمة السلف من المناظرة، وبينت أنّها أسلوب قرآني في الدعوة إلى الله، وأنّ الأنبياء ناظروا قومهم وأعداءهم،كما كنت قد بينت أنّ وجه تحذير السلف منها له شروط، منها أن يكون الحق ظاهرا والبدعة غير متمكنة، ففي مثل هذه الحالة ترك مناظرة المبتدع أفضل له وللمسلمين وأقطع لشره، ومنها أن يكون المناظر ضعيفا يخشى أن يستطيل عليه المبتدعة، وهذا نقل آخر عن ابن القيم يوضح أحوال المناظرة، قال في"الصواعق" {1276/ 4} :"فأمّا المناظرة فتقسم إلى محمودة ومذمومة والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان، وبيان ذلك أنّ المناظر إمّا أن يكون عالما بالحق، وإمّا أن يكون طالبا له، وإمّا أن لا يكون عالما به ولا طالبا له، وهذا الثالث هو المذموم، وأمّا الأولان فمن كان عالما بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي تهديه، وإن كان مسترشدا طالبا للحق،أو تقطعه أو تكسره إن كان معاندا غير طالب للحق ولا متبع له، أو توقفه و تبعثه على النظر في أدلة الحق، إن كان يظن أنه على الحق و قصده الحق."
3 -إذا نقلنا قول أبي منصور معمر بن أحمد:"ثم من السنة ترك الرأي والقياس في الدين وترك الجدال والخصومات وترك مفاتحة القدرية وأصحاب الكلام، وترك النظر في كتب الكلام وكتب النجوم"فلا شك أنه يقصد الرأي المذموم والقياس الضعيف والجدال المذموم، فمن الرأي ما هو محمود، ومن القياس ما هو صحيح شرعي دل عليه القرآن والسنة والإجماع، وكذلك الجدال الحسن قد أمر الله به، وترك النظر في الكتب مما أصله بدعة كالكلام والتنجيم والفلسفة والمنطق، لا يتناول كتب الفقه والحديث وغير ذلك مما أصله مشروع مشترك بين المسلمين، فيجب دائما تقيد الإطلاقات حتى لا يقع سوء الفهم، فيأتي بعض طلبة العلم فيحرّم الرأي المحمود، ويعادي جنس القياس، وجنس العقل، وجنس الجدال، ولا يفرق بين المحمود والمذموم، ويترك النظر في كتب الفقه وأصوله والحديث، لأنّ كتبتها مبتدعة دون تمييز بين تركها لأجل عدم تشييخهم، وبين تركها لأن أصلها بدعة باطلة.
4 -فلما احتجّ المبتدعة ببيت من الشعر على نفي الاستواء ردّ عليهم الأئمة بدلائل اللغة، ونقلوا عن ابن الأعرابي قوله:"العرب لا تقول للرجل استولى على العرش حتى يكون له فيه ضد، فأيهما غلب قيل استولى عليه، والله لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر".
ذكر ابن بطة عن ابن الأعرابي، قال:" أرادني ابن أبي داود أن أطلب في بعض لغات العرب ومعانيها الرحمن على العرش استولى فقلت: والله ما يكون هذا"بيان تلبيس الجهمية" {434/ 1} "
وقال ابن عباس لرجل لم يفهم الرؤية: ألست ترى السماء فقال: بلى، قال أتراها كلها، قال لا، فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية.