فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كان"الإحياء"ومختصراته تُناظر في الفقه الكتب التي كُتبت للمقلد؛ فإن"مدارج السالكين"يمثِّل مرحلة أعمق في علم التربية.
ومع ذلك يبقى جانب آخر من الجوانب ليكتمل بناء علم التربية، هو ضبط القواعد والأصول التي تُناظر علم أصول الفقه وعلم القواعد الفقهية في باب الدراسات الفقهية، وهذه الأصول والقواعد تجدها متفرقة في كتابات السلف، لا سيما كتابات الإمام ابن القيم -رحمه الله-.
ومن المُلفت للنظر: أن كتب التربية التي كُتبت في أوساط الصحوة لم تُعْنَِ بهذا الجانب العناية التي تتناسب مع أهميته، بينما اهتم به كثير من الأكاديميين الذين كتبوا في علم التربية الإسلامية مستقلًا، أو مقارنًا بالمدارس التربوية الأخرى.
ويمكن إيجاز أهم قواعد علم التربية في القواعد الآتية:
1 -التربية عملية ضرورية للإنسان، لا ينبغي أن تتوقف إلا مع توقف قلبه، وانقطاع أنفاسه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102) ، وهي تشمل التنشئة الإسلامية السليمة، كما تشمل الإصلاح المستمر لكل ما يحدث من انحراف.
2 -الأنموذج الذي تهدف التربية الإسلامية إلى إيجاده هو الشخص الذي يستحق دخول الجنة والنجاة من النار، وقد بيَّن الله لنا أن هذا مرهون بسلامة القلب وتزكية النفس، كما في دعاء إبراهيم -عليه السلام-: (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:87 - 89) ، وكما في قوله -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9 - 10) .
ومعالم هذه الشخصية المزكَّاة مُبَيَّنة على وجه التفصيل في الكتاب والسنة.
وكذلك نوعية العلاقات التي تنشأ بين هؤلاء الأفراد لتكوين المجتمع المثالي، وكما بيَّن الوحي معالمَ المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم؛ بَيَّنَ معالم الإنسان وتكوينه وطريقة حمله على فعل شيء أو تركه؛ لكي يمارسه المربون على مَن تحت ولايتهم، بل يمارس الإنسان ذلك مع نفسه للوصول إلى المراد، وهو ما يُصْطَلح على تسميته"بالعملية التربوية"، وهو من الأمور التي ينبغي ألا تغيب عن ذهن المربي بحال (3) .
وهذا الهدف يجب أن يُعْلَن للمُربَّى بكل جلاء ووضوح، وبغض النظر عن المرحلة العمرية التي يعيشها، وأن لكل مرحلة الأسلوب المناسب لها في التربية (4) .
3 -من الجدير بالملاحظة أن السنن الكونية في مجال تربية الكائنات الحية بصفة عامة متشابهة في النبات والحيوان، والجانب المادي من الإنسان، من وجود تدافع بين أسباب الصحة وأسباب المرض، ومن ثَمَّ تتلخَّص"العملية التربوية"في تنمية أسباب الصحة، والوقاية من أسباب المرض قبل حدوثه، وعلاجه بعد حدوثه.
وكذلك الحال بالنسبة للجانب المعنوي مع فارق جوهري وهو: أنها تدخل في نطاق التكليف بخلاف الجانب المادي الذي تخرج معظم عناصره عن التكليف، فأسباب المرض خلقها الله في الكون، والوقاية منها في جسم الإنسان -جهاز المناعة- معظمه لا إرادي، وحتى الجزء المُمكِن في الجملة قد يعجز عنه الإنسان لسبب أو لآخر، وأما الجانب المعنوي فتوجد أسباب الخير جنبًا إلى جنب مع أسباب الشر، ومحل التكليف في إقبال المكلف على أيٍّ منها (5) ، يقول الله -تعالى-: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس:8) ، وقال -تعالى-: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد:10) ، وكما في الحديث: (أَلا وَإِنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةٌ، وَلِلْشَيْطَانِ لَمَّةٌ، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ لِلْخَيْرِ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، فَمَنْ وَجَدَ لَمَّةَ الْمَلَكِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ ذَلِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
4 -اعتنى التربويون من مختلف المدارس التربوية بمسألة: هل الأصل في الإنسان الخير أم الشر؟
(يُتْبَعُ)