فهرس الكتاب

الصفحة 22444 من 28557

وخلاصة المسألة في دين الله: أن الإنسان مكون من أجزاء، أهمها فيما يتعلق بأمر التربية: القلب والنفس، والقلب مفطور على معرفة الله وحبه واللجوء إليه، وأما النفس فهي مخلوق كامل داخل بدن الإنسان يغلب عليه الميل إلى نيل حظِّه ورغباته، وبعض هذه الرغبات من الخير، وبعضها من المباح، وبعضها من الشر.

وعلى الرغم من كون القلب مفطورًا على حب الخير، وأن النفس فيها دواعي الخير ودواعي الشر؛ فإننا نجد غلبة الشر على كثير من الناس، وذلك راجع إلى فعل الشياطين التي تحاول أن تعطِّل سلطان القلب، وتؤزُّ النفوسَ إلى الشهواتِ المحرمة فيغلب عليها الشرُّ -والعياذ بالله-.

ومن هنا تلخصت العملية التربوية في:

تقوية سلطانِ القلبِ على النفس، ومنع الشيطان من السيطرة عليها، وقد عرض الإمامُ ابنُ القيم -رحمه الله- هذه القضية عرضًا شيقًا ماتعًا في كتابه"إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان".

وسوف نعرض ملخصًا لهذين البابين، ولكن نحتاج قبل ذلك إلى أن نعرِّج على سائر مكونات الإنسان سوى القلب والنفس، وهي:

1 -البدن: وهو مُكون غير فاعل في التربية؛ لكونه في الحقيقة وعاءً يحوي القلبَ والنفسَ، وإن كان له تعلق بالتربية من جهة كونه خاضعًا للقلب والنفس، فمن كان مثاله في التربية الوصول إلى الله بإخلاص العبادة له، والإحسان إلى خلقه؛ فسوف يترتب على هذا حاجته لإعداد بدنه للقيام بهذه المهمة.

ومن يرى إتْباع نفسه هواها، فيترتب على ذلك إطلاق العنان للبدن لتحصيل شهوات تلك النفس.

وأصحاب الرياضات التي يسمونها"روحية"يُضعف أحدهم بدنه تمامًا لكي يشعر بروحه، وربما حدث له ذلك، ولكن تبقى روحًا قعيدة لا تقدم شيئًا ذا بال، فضلًا عن بُعدها عن عبودية ربها التي لا تتم إلا بهذا البدن.

2 -والعقل: وهو آلة الإدراك، بَيْد أنه وفق المنهج الشرعي فإن القلب يمثل آلة الإدراك الأعلى من المخ، فالحواس تغذِّي المخ، والمخ يُدرك ما يُدركه من محسوسات، ثم يغذِّي القلب الذي يفقه ذلك، ويضيف إليه الشعور، وقد تكرر في القرآن وصفُ القلب بأنه موضع التعقل والفقه، والإيمان والكفر، والحب والبغض.

فحاصل الأمر أن ما يسمى في الاصطلاح"عقلًا"هو في حقيقة الأمر"مخ"، وهو بهذا المعنى كالبدن يتم توظيفه وفق التوجيه التربوي لصاحبه، فمنهم من يستعمل عقله في الوصول إلى الطاعات وإدراك العلوم النافعة، ومنهم من يوظفه لخدمة أهداف نفسه.

3 -وأما الروح: فمن العلماء من قال: إنها مغايِرة للنفس، ومنهم من قال: إنها ليست مغايرة.

وقد عرض ابن القيم -رحمه الله- لأدلة الفريقين في كتاب"الروح"دون أن يفصل بينهما، بَيْد أن صنيعه في سائر مؤلفاته -لا سيما في"إغاثة اللهفان"- يدل على أنه يرى أنهما غيرُ متغايِرَيْنِ؛ إذ يستخدم النفسَ والروحَ بدلًا من بعضهما البعض في سياقٍ واحدٍ.

بَيْدَ أنه في كتاب"الروح"لمَّا عرض لمذهب القائلين بأنهما غيرُ متغايرين قال حكاية عن مذهبهم:"فالفرق بين النفس والروح بالصفات لا فرق بالذات"، مما يدل على وجود فرق بينهما حتى على مذهب هؤلاء.

ومن ثَمَّ؛ فسيطرح السؤال عن دور الروح في العملية التربوية؟

وعندي أن الروح حتى لو كانت تمثل حالة من حالات النفس؛ فهي تلك الحالة التي تتناسى فيها النفس شهوات البدن، وتتعلق فقط بالسعادة والشقاء المترتبين على مدى قربها أو بعدها عن خالقها، ويترتب على ذلك: أن تدرك أن زيارة المقابر، وشهود المجامع العظيمة كالحج والجمعة والعيدين، وما يكون فيها من أخْذة، وذهول عن قيود الجسد؛ هي وسائل تربوية في حد ذاتها، وكم من قلبٍ قاسٍ ونفسٍ أمارةٍ بالسوء شهدت هذه المشاهد، فَلانَ القلبُُ، واطمأنت النفسُ، دون وجود أي وسيلة أخرى من وسائل التربية كالوعظ والتذكير، فكيف إذا انضمت لها؟

نحصل من ذلك: أن المكونين الرئيسيَّينِ الفاعليَيْنِ في مجال التربية هما القلب والنفس، ومن خارجهما يتربص الشيطان، كما بينه ابن القيم -رحمه الله- في"إغاثة اللهفان".

وإليك ملخصًا للباب الحادي عشر والثاني عشر منه.

قال -رحمه الله- ما ملخصه:

باب: في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت