فهرس الكتاب

الصفحة 22445 من 28557

هذا الباب كالأساسِ والأصلِ لما بعده من الأبواب؛ فإن سائرَ أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالموادُ الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء، وأول ما تنالُ القلبَ، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبة الحاجة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقِهم وتبايُنِ سلوكِهم على: أن النفسَ قاطعةٌ بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يُدْخَلُ عليه -سبحانه- ولا يُوصَل إليه إلا بعد إماتتها، وتركها بمخالفتها، والظفر بها.

فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته، وصار طوعًا لها تحت أوامرها، وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها؛ فصارت طوعًا لهم منقادة لأوامرهم.

قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، قال -تعالى-: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:37 - 41) .

فالنفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا، والربُّ يدعو عبده إلى خوفه، ونهي النفسِ عن الهوى، والقلبُ بين الداعيَيْن، يميل إلى هذا الداعي مرة، وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف -سبحانه- النفسَ في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوَّامة.

فاختلف الناس: هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها، أم للعبد ثلاث أنفس: نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة؟

والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها، فإذا اعتُبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتُبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة.

فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة) (الفجر:27 - 28) . قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) يقول: المُصَدِّقَةُ.

وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضا به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولًا، واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسبه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها، ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين.

وإذا كانت بضد ذلك؛ فهي أمارة بالسوء، تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغيِّ واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه، وقد أخبر -سبحانه- أنها أمارة بالسوء ولم يقل آمرة؛ لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله، وجعلها زاكيةً تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله لا منها، فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خُلِقت في الأصل جاهلةً ظالمةً إلا مَن رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها، فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.

فإذا أراد الله -سبحانه- بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به، وتصلح من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خُلقت عليها من الجهل والظلم.

وسبب الظلم:

إما جهل، وإما حاجة، وهي في الأصل جاهلة، والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء لازمًا لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.

وبهذا يُعلم: أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تشبهها ضرورة تُقاس بها؛ فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت