فهرس الكتاب

الصفحة 22446 من 28557

وأما اللوامة فاختُلف في اشتقاق هذه اللفظة، هل هي من"التلوُّم"وهو التلون والتردد، أو هي من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.

والأول أظهر؛ فإن هذا المعنى لو أُريد لقيل:"المتلوِمة"، كما يقال:"المتلونة والمترددة"، ولكن هو من لوازم القول الأول، فإنها لِتَلُّومِها وعدم ثباتها تفعل الشيء، ثم تلوم عليه، فالتلوُّم من لوازم اللوم.

والنفس قد تكون تارة أمارة، وتارة لوامة، وتارة مطمئنة، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا، والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه.

والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وله علاجان:

1 -محاسبتها.

2 -ومخالفتها.

وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها.

قال قتادة في قوله -تعالى-: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28) :"أضاع نفسه، وغبن، ومع ذلك تراه حافظًا لماله مضيعًا لدينه".

وقال ميمون بن مهران:"إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطانٍ عاصٍ، ومن شريكٍ شحيحٍ".

وذكر الإمام أحمد عن وهبٍ قال:"مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب"، وقد روي هذا مرفوعًا من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- رواه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما.

باب: في علاج مرض القلب بالشيطان

هذا الباب من أهم أبواب الكتاب، وأعظمها نفعًا، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسَّعوا في ذلك، وقصَّروا في هذا الباب.

ومن تأمَّل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت في قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (يوسف: 53) ، واللوامة في قوله: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2) ، وذكرت النفس المذمومة في قوله: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات:40) .

وأما الشيطان: فذكر في عدة مواضع، وأُفردت له سورة تامة، فتحذير الرب -تعالى- لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره؛ فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته؛ فهي مركبه، وموضع شرعه، ومحل طاعته.

وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الاستعاذة من الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال:"يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت"، قال: (قُلْ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ؛ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ) ، قَالَ: (قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَك) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايتُه: إما أن تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهما.

ولما كان الغضبُ مَرْكَبَ الشيطان، فتتعاون النفس الغضبية والشيطان على النفس المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان؛ أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه، فتُمِدُّ"الاستعاذةُ"النفسَ المطمئنة، فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضبية، ويأتي مدد الصَبْر الذي يكون النصر معه، وجاء مددُ الإيمان والتوكل، فأبطل سلطان الشيطان: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل:99) .

قال مجاهد وعكرمة والمفسرون:"ليس له حجة".

والصواب أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم: لا من جهة الحُجَّة، ولا من جهة القدرة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت