فهرس الكتاب

الصفحة 22663 من 28557

عندما رأى هذا المختل بأن الحالة الوضعية هي أفضل الحالات وبنى عليها إنكار الإله، قام بشرح تلك الفلسفة لمريديه في عدد من كتبه فكان منها: كتابه (كلام عن مجمل الفلسفة الوضعية) ، وكتابه الكبير (دروس الفلسفة الواقعية) الذي أنفق في تأليفه عشر سنوات من عمره (1832 - 1842) وهو يقع في ستة مجلدات، وأخرج أخيرا علمه المكتشف (علم الاجتماع) في عام (1854) في كتاب (مذهب في السياسة الواقعية) وهو ما يسمى (كتاب في علم الاجتماع) .

الوضعية والقيم:

ولد (أوجست كونت) في زمن فتنة وافتتان: فتنة الكنيسة، وافتتان الناس والمفكرين بالعلم التجريبي واكتشافاته، وهذا ما جعله يكفر بالأديان كلها، ذلك لأنه عاش في بداية حياته في أسرة كاثوليكية متدينة فعرف من خلالها جمود الكنيسة وعدائها للعلم والعلماء، وبما أنه عاصر المفكرين الملحدين مثل أستاذه سان سيمون وعاصر أحداث ما بعد (الثورة الفرنسية) - والتي فتحت باب الحريات على مصراعيه، فكانت تمكينا للعلماء في مواصلة أبحاثهم، وللملحدين في تسطير إلحادهم، وللمجرمين أيضا في تجاوز الآداب والأخلاق - رأى عند ذلك أن المرحلة الوضعية هي أفضل المراحل التي وصل إليها الإنسان، ولكنه في الوقت ذاته عندما رأى بعض سلبيات الثورة، أدرك أن الإنسانية لا تقوم إلا على الأخلاق والقيم، ولا يصلح الناس إلا الآداب والمثل التي جاءت بها الأديان التوحيدية، كما أقر بذلك في مرحلة (التوحيد) ، فرأى أن يخترع للإنسانية دينا يجمعها، وأن يكون بديلا عن الدين الذي يقر بالإله ووجود الخالق، لأن ذلك في اعتقاده مرحلة بدائية لا تتوافق مع المرحلة التي نضجت فيها العقول البشرية، فألف لهم (دين الإنسانية) الذي يرى فيه أن الإنسان هو أهم شيء في الوجود، ورأى أن يجمع الناس عليه متآلفين ومتحابين، فأصبح رسولا لهذا الدين، فطار برسالته المعجبون في كل مكان، وحملها رعاع الفكر في بعض دول أوروبا وأمريكا. وقد بنى دينه على إلحاد وفساد، فضلا عن قصوره في فهم المجتمعات الإنسانية، وجهل بحقيقة الأديان ونخص السماوية منها.

ولنا - إن شاء الله - وقفات قادمة مع بيان فلسفة ومنهج هذا الغثاء العلمي الذي جاء به، ليدرك أبناء الإسلام حقيقة وأسس (علم الاجتماع) ويدركون فساد بعض تلك النظريات والتطبيقات العملية التي يعكف عليها الدارسون في كليات الاجتماع سنوات، وهم يظنون أنهم ينهلون علما نافعا أو يكشفون ظواهر خافية، وما أساسها إلا خليط من اضطراب عقلي، توافق مع ظروف وأحداث الزمان والمكان اللذين عاش فيهما هذا المضطرب ومن جاء من بعده من تلاميذه.

الهامش:

1 - (الكنيسة) تحمل دينا محرفا، بدأ بتحريفه اليهودي (شاول = بولس) الذي حمل فكرة تأليه (عيسى) والتي اعتمدها فيما بعد الإمبراطور الروماني الوثني (قنسطنطين)

2 - (كواشف زيوف ص 405، عبد الرحمن الميداني)

3 -سان سيمون: من رواد المذهب الاشتراكي في فرنسا اهتم بالتقدم والصناعة

4 - (مذاهب فكرية معاصرة، عرض ونقد، محمود مزروعة ص 231) .

5 - (كواشف زيوف 410) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت