فهرس الكتاب

الصفحة 22859 من 28557

رابعًا: لا يجوز ترك أرض خاضعة لسلطان المسلمين طوعًا بالمجان ليقيم عليها أعداء الشريعة دولة، ولا يجوز التسليم المسبق وتوطين النفوس على القبول بذلك (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 35] ، (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 139 - 140] ، و"أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أَحَقُّ، وشرط الله أوثق"كما قال صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز الرضا بما يسمى حق تقرير المصير وإن اتُّفِقَ عليه اجتهادًا أو اضطرارًا، ولاسيما أن التزوير فيه غير مأمون إن لم يكن شبه مضمون.

على أن ما يسمى بحق تقرير المصير مرفوض شرعًا في البلدان الإسلامية غير المحتلة ولو في أبسط صُوَرِه التي هي إعطاء شعبٍ الحقَّ في اختيار نظامه السياسي الذي يشاء، فكيف إذا تضمن ظلم المسلمين من قبائل المسيرية العربية وغيرهم، فكيف إذا غلب على الظن أن تكون الدولة الجديدة كافرةً معادية مقرًا لأجهزة الاستخبارات الصهيونية والعالمية؛ التي يخشى أن تعيث في القرن الإفريقي فسادًا، وفوق ذلك ستكون الدولة الجديدة عاملًا ضاغطًا على مصر، وذلك بتحكمها في منابع النيل مما يزيد المصريين رهقًا ولو بعد حين إذا استقرت الأوضاع وتكاثرت السكان، فكيف إذا كان فصل الجنوب ذريعة إلى تمزيق البلاد إِرَبًا في أبيي وجنوب النيل الأزرق وكردفان وغيرها من ربوع السودان المضطربة الآن والتي تعلن فيها هذه المطالب، فكيف إذا كان حق تقرير المصير إنما هو أداة عند دول الاستكبار تبتر به ما تشاء، وتمنعه عمن تشاء؛ كما في الشيشان وكشمير وتركستان الشرقية وغيرها.

خامسًا: على الحكومة السودانية ممثلة في حزب المؤتمر الوطني الحاكم خاصة مسئولية عظيمة في الحفاظ على مقدرات البلاد وهويتها، فليتقوا الله فيما ولاَّهم الله، وليحذروا من المرجفين الذين يمهدون لهم طريق التنازلات والتفريط في حقوق الشعب المسلم، أو شيء مما أوجبته الشريعة، خوفًا من الأعداء المتربصين، وليتدبروا قول رب العالمين: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) [المائدة: 51 - 52] .

سادسًا: دعم بعض السودانيين انفصال الجنوب لايتفق مع الشرع ولا العقل ولا السياسة الراشدة، فالواجب بسط الإسلام في تلك الربوع والعمل على ذلك، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 9] ، ولا يجوز التنازل عن ذلك إلاّ إن حصل الإكراه عليه، ولا نرى أن السلام في السودان يكفله الانفصال، بل ما أقرب أن يكون الانفصال مقدمة لحرب جديدة تزعزع استقرار البلاد؛ خاصة وأن قضايا كثيرة لا تزال عالقة كقضية الحدود بين الشمال والجنوب، وقضية الديون الخارجية، وحقول البترول، وغيرها، ومن المفاسد المترتبة عليه بقاء الجنوبيين في الشمال، وما يمثلونه من ضغط على الحكومة لإعطائهم حقوقًا ليست لهم كعدم الخضوع لأحكام الشريعة، والتمرد على الأعراف، وتبقى المشكلة كما كانت مشكلة أقلية تطالب بحقوقها.

سابعًا: لايجوز للمسلم في الشمال بل في الأرض أن يخذل أخاه المسلم في جنوب السودان، ولا أن يسلمه لدولة تحاربه في دينه وعقيدته، وتفرض عليه نظامًا علمانيًا تخضعه له، وتظلمه في حقوقه الشرعية، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت