فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويقال له: بل أنت بتَسْميتك التفريق بين المرء وزوجه وحلّ ذلك نجاحًا مصادمٌ للقرآن حيث قال - تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (17) ، فبين - تعالى - أنهم يضرون ولا ينفعون، وإنما نفعهم بحل السحر كما أثبت - سبحانه - أنَّ للخمر نفْع، كذلك فقد نفى الله عنهم الفلاح - كما تقدم -، فإثبات ضررهم ونفي نفعهم ونفي الفلاح عنهم وعما يأتونه يكفي بعضه لِمَن أهَمَّه دينه للجزم بحرمة ذلك وعدم جوازه بحال.
والنجاح المزعوم في ذلك أعظم حرمة وخبثًا وقبحًا من انتفاع البدن بالخمر، لأن التوجه إلى الساحر بهذا القصد يترتب عليه فساد الاعتقاد بخلاف الخمر.
أما قوله: (والذين يأمرون الناس بالاقتصار على الرقية يخالفون ما فعله الرسول من استخراج السحر وحله) فيقال له: ما أفقهك!، وهل استخرج الرسول صلى الله عليه وسلم السحر بإتيان الساحر أو بإتيان الوحي إليه؟!، فكيف يستدل بهذا؟!، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا) ، فالمحتج بالنجاح المزعوم بإتيان الساحر أقبح من المحتج بنفع الجسم بالخمر - كما تقدم -، وقد فتح على الناس شرًا ولن ينفعهم عند الله.
ثم قد يُقال: (قد يدَّعي مدَّعٍ الاضطرار باللجوء للساحر) ، فالجواب: أن ذلك باطل، ولا ضرورة تُلجئ إليه إلاَّ لِمَن أيِسَ من رَوْح الله وظَنَّ بالله السوء، وأن الاستشفاء بكلامه وذكره ودعائه وما جعله الله سببًا للشفاء من العلاجات الطبيعية غير المحظورة لا ينفع ولا يفيد، وإنما الشفاء والعافية عند الساحر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لَم يَجعل شِفَاءكم في حرام) (18) .
وختامًا .. فقد تبين ما في هذا الأمر العظيم والخطر الجسيم من مخالفة الخالق الكريم ورسوله صلى الله عليه وسلم الشفيق الرحيم، وما يترتب على ذلك من فساد العقيدة، فالحذَر من مُوجِبَات الخطَر وجالبات الضَّرَر.
ولا شكَّ أن مَن لَم يَهُون ويَرْخُص عليه دِينه لو ضُمِن له الشفاء عند الساحر - الرِّجْس، النَّجِِس، عدوِّ ربه - فإنه لا يأتيه لِعِلْمه أن شفاء بدنه عنده ثَمَن لفساد دينه!، كيف وهؤلاء السحرة الأخابث يزيدون العلَّة!، كيف وهو لَم يُعدم من الطُّرُق الشرعية السليمة لشفائه كما تقدم بيانه - ولله الحمد والمنة -.
قال «عبد الله بن مسعود» رضي الله عنه: (إنكم ترون الكافر من أصح الناس جِسمًا وأمرضهم قلبًا، وتلْقَوْن المؤمن من أصَحِّ الناس قلبًا وأمرضهم جِسْمًا!، وأيْمُ اللهِ لو مَرِضَت قلوبُكم وصَحَّت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الْجُعلان!) انتهى (19) ؛ فتأمل هذا الأثر حقَّ التأمل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد الكريم بن صالح الحميد
بريدة ـــ 13/ 6 / 1427
(1) أخرجه النسائي في «سننه الكبرى» برقم (4079) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (3/ 68) .
(2) «فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد» ، ص (296) .
(3) سورة طه، من الآية: 69.
(4) سورة طه، من الآية: 69.
(5) أخرجه أحمد في «مسنده» برقم (14167) ، وأبو داود في «سننه» برقم (3868) ، وقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (9/ 67) : (إسناده صحيح) ؛ وأخرجه الحاكم في «مستدركه» برقم (8292) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وقال: (هذا حديث صحيح ولَم يخرجاه) ووافقه الذهبي.
(6) «إعلام الموقعين» (4/ 396) .
(7) «فتح المجيد» ، ص (308) .
(8) أخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (537) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.
(9) أخرجه البزار في «مسنده» برقم (3904) ، وغيره، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (4/ 17) : (إسناده جيد) .
(10) أخرجه البزار في «مسنده» برقم (1873) وغيره، وأخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (5/ 104) مرفوعًا.
(11) أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (3874) ، والبيهقي في «سننه الكبرى» برقم (19465) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وقال ابن مُفلح في «الآداب الشرعية» (2/ 336) : (إسناده حسَن) .
(12) «زاد المعاد» (4/ 157) .
(13) سورة النحل، من الآية: 25.
(14) أنظر: «فتح المجيد» ، ص (307) .
(15) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (5716) .
(16) سورة البقرة، من الآية: 102.
(17) سورة البقرة، من الآية: 102.
(18) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» برقم (1391) ، وأبو يعلى في «مسنده» برقم (6966) بهذا اللفظ من حديث هند أم سلمة - رضي الله عنها -؛ وأخرجه عن أم سلمة - أيضًا - البيهقي في «سننه الكبرى» برقم (19463) ، والطبراني في «معجمه الكبير» برقم (749) بلفظ: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم) ؛ وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (21/ 568) .
وأورده البخاري في «صحيحه» (5/ 2129) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه معلقًا، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» برقم (23833) ، وغيره عنه رضي الله عنه موقوفًا، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (10/ 82) .
(19) أنظر: «الحلية» لأبي نعيم (1/ 135) ، و «الزهد» لابن السري، ص (247) .