فهرس الكتاب

الصفحة 23237 من 28557

واما كون الخلف أحكمَ فنتيجةٌ لأنّه لما اضطرت الأمة للخوض فيما سكت عنه السلف ردًا على بدع المعتزلة والجهمية وسواهم كان خوضهم مُوصِلًا للأدلة التي تدحضُ شُبَهَ وبدعَ المبتدعة.

الباب الرابع: في بيان صحة مذهب السلف

وبطلانِ القول بتفضيل مذهب الخلف في العلم والحكمة على مذهب السلف

(من فتح رب البرية بتخليص الحموية

للعلامة محمد بن صالح العثيمين

رحمه الله تعالى)

سبق القول في بيان طريقة السلف وذكر الدليل على وجوب الأخذ بها. أما هنا فإننا نريد أن نبرهن على أن مذهب السلف هو المذهب الصحيح، وذلك من وجهين:

أحدهما: أن مذهب السلف دل عليه الكتاب والسنة. فإن من تتبع طريقتهم بعلمٍ وعدلٍ وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملةً وتفصيلًا، ولا بد. فإن الله تعالى أنزل الكتاب ليتدبر الناسُ آياتِه، ويعملوا بها إن كانت أحكامًا، ويصدقوا بها إن كانت أخبارًا، ولا ريبَ أن أقرب الناس إلى فهمها وتصديقها والعمل بها هم السلف، لأنها جاءت بلغتهم وفي عصرهم، فلا جرم أن يكونوا أعلمَ الناس بها فقهًا وأقومَهم عملًا.

الثاني: أن يقال: إن الحق في هذا الباب إما أن يكون فيما قاله السلف، أو فيما قاله الخلف. والثاني باطل، لأنه يلزم عليه أن يكون الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار قد تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرةً واحدةً بالحق الذي يجب اعتقاده لا تصريحًا ولا ظاهرًا، فيكون وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين، وتركُ الناس بلا كتاب ولا سنة خيرًا لهم وأقومَ، وهذا ظاهر البطلان.

هذا، وقد قال بعض الأغبياء: (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم) . ومنشأ هذا القول أمران:

أحدهما اعتقاد قائله - بسببِ ما عنده من الشبهات الفاسدة - أن الله تعالى ليس له في نفس الأمر صفة حقيقية دلت عليها هذه النصوص.

الثاني اعتقاده أن طريقة السلف هي الإيمان بمجرد ألفاظ نصوص الصفات من غير إثباتِ معنىً لها. فيبقى الأمر دائرًا بين أن نؤمنَ بألفاظٍ جوفاءَ لا معنى لها، وهذه طريقة السلف على زعمه، وبين أن نثبت للنصوص معانيَ تخالف ظاهرَها الدالَّ على إثبات الصفات لله، وهذه هي طريقة الخلف. ولا ريبَ أن إثباتَ معاني النصوص أبلغُ في العلم والحكمة من إثبات ألفاظٍ جوفاءَ ليس لها معنىً، ومن ثمَ فضّل هذا الغبيُّ طريقة الخلف في العلم والحكمة على طريقة السلف.

وقولُ هذا الغبيِّ يتضمن حقًا وباطلًا. فأما الحق فقوله إن مذهب السلف أسلم، وأما الباطل فقوله إن مذهبَ الخلف أعلمُ وأحكمُ. وبيان بطلانه من وجوه:

الوجه الأول: أنه يناقض قولَه إن طريقة السلف أسلم. فإنّ كَوْنَ طريقةِ السلف أسلمَ من لوازم كونها أعلمَ وأحكمَ، إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة، العلمِ بأسباب السلامة، والحكمةِ في سلوك تلك الأسباب. وبهذا يتبين أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم. وهو لازم لهذا الغبي لزومًا لا محيدَ عنه.

الوجه الثاني: أن اعتقادَه أن الله ليس له صفةٌ حقيقية دلت عليها هذه النصوصُ اعتقادٌ باطل، لأنه مبنيعلى شبهات فاسدة، ولأن الله تعالى قد ثبتت له صفات الكمال عقلًا وفطرة وشرعًا.

فأما دلالة العقل على ثبوت صفات الكمال لله، فوجهه أن يقال إن كل موجود في الخارج فلابد أن يكون له صفةٌ، إما صفة كمال وإما صفة نقص، والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحقِّ للعبادة، وبذلك استدل الله تعالى على بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بصفات النقص والعجز - بكونها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ولا تخلق ولا تنصر -. فإذا بطل الثاني تعين الأول، وهو ثبوت صفات الكمال لله. ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة أن للمخلوق صفاتِ كمال، والله سبحانه هو الذي أعطاه إياها، فمعطي الكمالِ أولى به.

وأما دلالة الفطرة على ثبوت صفات الكمال لله، فلأن النفوس السليمة مجبولةٌ ومفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته. وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت