فهرس الكتاب

الصفحة 23400 من 28557

وأصل الوزر بكسر الواو: هو الوقر بوزنه ومعناه. وهو الحمل بكسر الحاء، أي ما يحمل، ويقال وزر إذا حمل. فالمعنى: ولا تحمل حاملة حمل أخرى، أي لا يحمل الله نفسا حملا جعله لنفس أخرى عدلا منه تعالى لأن الله يحب العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته.

وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس.

ووجه اختيار الإسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإضمار على التذكير بتأويل الشخص، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر الاكتساب كما في قوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها في سورة الأنعام وقوله كل نفس بما كسبت رهينة في سورة المدثر، وغير ذلك من الآيات ثم نبه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة في الأوزار من ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئا، لئلا يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه [ص: 289] فإن العرب تعارفوا النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يضر بالمنجد. ومن أمثالهم"لو دعي الكريم إلى حتفه لأجاب"وقال وداك ابن ثميل المازني:

إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان

ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة.

وحذف مفعول"تدع"لقصد العموم. والتقدير: وإن تدع مثقلة أي مدعو.

وقوله"إلى حملها"متعلق بـ"تدع"، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن الحمل سبب الدعاء وعلته. فالتقدير: وإن تدع مثقلة أحدا إليها لأجل أن يحمل عنها حملها، فحذف أحد متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ومتعلقه المذكور على المحذوف.

وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة، أي لو استصرخت نفس من يحمل عنها شيئا من أوزارها، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم، لا تجد من يجيبها لذلك.

وقوله ولو كان ذا قربى في موضع الحال من"مثقلة"، و"لو"وصلية كالتي في قوله تعالى فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران.

والضمير المستتر في"كان"عائد إلى مفعول"تدع"المحذوف، إذ تقديره: وإن تدع مثقلة أحدا إلى حملها كما ذكرنا، فيصير التقدير: ولو كان المدعو ذا قربى، فإن العموم الشمولي الذي اقتضته النكرة في سياق الشرط يصير في سياق الإثبات عموما بدليا.

ووجه ما اقتضته المبالغة من"لو"الوصلية أن ذا القربى أرق وأشفق على قريبه، فقد يظن أنه يغني عنه في الآخرة بأن يقاسمه الثقل الذي يؤدي به إلى العذاب فيخف عنه العذاب بالاقتسام.

والإطلاق في القربى يشمل قريب القرابة كالأبوين والزوجين كما قال تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه.

وهذا إبطال لاعتقاد الغناء الذاتي بالتضامن والتحامل فقد كان المشركون يقيسون أمور الآخرة على أمر الدنيا فيعللون أنفسهم إذا هددوا بالبعث بأنه إن صح فإن لهم يومئذ شفعاء وأنصارا، فهذا سياق توجيه هذا إلى المشركين ثم هو بعمومه ينسحب حكمه على جميع أهل المحشر، فلا يحمل أحد عن أحد إثمه. وهذا لا ينافي الشفاعة الواردة في الحديث، كما تقدم في سورة سبأ، فإنها إنما تكون بإذن الله تعالى إظهارا لكرامة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينافي ما جعله الله للمؤمنين من مكفرات الذنوب كما ورد أن أفراط المؤمنين يشفعون لأمهاتهم، فتلك شفاعة جعلية جعلها الله كرامة للأمهات المصابة من المؤمنات.

وخلاصة القول"أنه لا يحمل أحد ذنب أحد ولا يجني جان إلا على نفسه"

هذا وأتمنى من الله العلي القدير أني قد وفقت في إجتهادي وإن كان هناك من خطأ أسأل

العفو أن يعفوا عني ومن الغفور أن يغفر زلتى

الأستاذ عبد الرحيم المضيان

منقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت