إنالأعمال الشنيعة التي اقترفها جنرالات فرنسا وجنود الاحتلال خلال العقود الأولى منالقرن التاسع عشر ضد الجماعات السكانية المحلية، أصبحت اليوم معروفة لدى المؤرخينوالكتاب.
غيرأنه من الواجب تذكيرها، ولاسيما الأعمال الإجرامية المنظمة التي ارتكبت قبل عهد «بيجو» وبعده أو في زمان حكمه، والتي تميزت من غيرها نظرًا لعظم الوسائل التي كانتبيده، وسائل كانت واسعة المفعول في القضاء على اقتصاد الجزائر بصفة لا تسمح لهذاالبلد بالنهوض قبل عشرات من السنوات، ولا بالنهوض على الإطلاق في بعض مناطقالاحتلال.
ومما لا شك فيه أن التوازن السكاني قد اختل إما بسبب المجازر المنظمة، وإما بسبب الجذب والمجاعات التي عقبتها.
وهكذالم تتماطل فرنسا في تنفيذ أهدافها منذ الوهلة الأولى من نزول قواتها في مدينةالجزائر، فقد سارع «دوبرمون» إلى الاستيلاء على خزينة الجزائر الموجودة في القصبةآنذاك (7) وترك جنوده ينهكون الأعراض، ويسلبون المتاع، ويريقون الدماء، ويهدمونالمنازل والمحلات، بالرغم من تعهد «دوبرمون» بشرفه أن يحافظ على حرية الدين، وعلىأملاك السكان وتجارتهم وصناعتهم، وأن يحترم نساءهم وحرماتهم.
كانالجميع يظن بأن أمة متحضرة مثل الأمة الفرنسية لا يمكن أن تنكث العهد، ولكن سرعانما انتشر الجيش الفرنسي في مدينة الجزائر، وبدأ يعث فيها فسادًا، ونستشهد بمؤرخالجيش الفرنسي في الجزائر، وهو بول أزان ( Paul Azan) يصف لنا حالة هذا الجيش خلالشهر تموز سنة 1830، فيقول: «إن الجنود ارتكبوا أعمالا تخريبية حول مدينة الجزائر، فخربوا الأحواش، وقطعوا الحدائق، وخلعوا أعمدة المنازل، وثقبوا أنابيب المياه، وهدموا سواقي المياه لكي يسقوا حيواناتهم ... » (8) .
ويتحدث «روزي» عن سهل المتيجة الذي تعرض للتخريب، عندما قام الجندبتكسير وحرق شجر الزيتون لتوسيع رحبتهم، وكان «روزي» نفسه يتصور مستقبل الاستعمارالاستيطاني في أخصب أراضي المتيجة على الطريقة الآتية: «سوف يلزمنا الحاجة إلىإبادة جميع السكان الساكنين في جبال بني مناد وشنوة ... » (9) .
والحقأن ذلك لم يكن افتراضا، ففي عام 1832 قام الجنرال «دي روفيغو» ( Le Duc De Rovigo) ، بمجزرة رهيبة، إذ أباد قبيلة العوفية بمجرد اتهام بعض أفرادها بالسرقة، في حين كاناللصوص ينتمون إلى قبيلة أخرى، وقد حدثت هذه الإبادة عندما اجتاحت فرقة عسكرية فيالصباح الباكر على قبيلة العوفية في سهل متيجة، وفاجأهم الجنرال وهم نائمون فيخيامهم، فذبحهم دون مقاومة من أحد، فكل الأحياء كان مصيرهم الموت دون تمييز بينالصغير والكبير وبين الذكر والأنثى (10) .
ومنهنا تتضح أهداف الإخضاع بالعنف والقوة إلى درجة الإبادة منذ البداية، وبدأت الجولاتالمسلحة التي تعبر عن أصدق صعوبات الاحتلال يوم أدرك الجزائريون نوايا فرنساالاستعمارية، بعد سقوط الحكم المركزي، وظهور الفراغ السياسي، وعجز المدن عن صنعقيادة جديدة، وكانت القيادات الجديدة قد ظهرت في الأرياف لمواجهة القوات الفرنسية، أمثال علي السعدي، والحاج محمد بن زعموم، والأمير عبد القادر، وآخرين من زعماءالطرق الصوفية وزعماء الأعراش.
ولكنهذا الوضع لا يمكن أن يدوم طويلًا، فالفرنسيون أرادوا أن يخرجوا من الحصار والتوجهإلى مناطق السهول، ويبدو أن استمرار المقاومة الريفية شكل عائقًا أمام السلطاتالاستعمارية التي كانت تريد المزيد من الأراضي، فكان إرسال «بيجو» إلى الجزائر فيسنة 1840، دليلا على إسرار الحكومة الفرنسية على تسريع تنفيذ مشروعها الاستيطاني، وهو الذي كان يعد الغزو طريقة حربية مشروعة وضرورية، وذلك بتخريب وتدمير القرى التييقطنها السكان، حيث يقول: «يجب أن نقوم في إفريقية بحملة كبيرة شبيهة بما كان يفعلالأفرنج وما كان يفعل القوط .... » (11) .
وفيالواقع أن «بيجو» انتقد الوسائل والأساليب السابقة، واعتبرها أساليب ضعيفة ضدالسكان، وكان حكم «بيجو» يمثل الصورة القاسية، حيث تضمن مخططه عدة أساليب، من بينهاالإضرار بالسكان في أرزاقهم، كالمحاصيل والمزارع والمواشي والمطامير، فكل شيء يقففي طريق الوصول إلى هدفه كان يجب أن يزول مهما كانت قيمته.
وقدنجح في إضعاف المقاومة الجزائرية التي كان يقودها الأمير عبد القادر، الذي أرغم علىالتسليم بعد عدة شهور فقط من مغادرة «بيجو» للجزائر عام 1847 (12) .
(يُتْبَعُ)