وكانإسرار السكان على التمسك بأراضيهم، يشكل عائقا أمام السلطات الاستعمارية التي كانتتريد المزيد من الأراضي، وكان الضباط الكبار يتسابقون للوصول إلى أهدافهم المقررة، وذلك باستعمال مكثف وأعمى لعملية الإبادة الجماعية للسكان المحليين، ويكفي للتدليلعلى ما نقوله أننا نورد فيما يأتي اعترافات الجنرال «كافينياك» ( Cavaignac) حول مافعله لإبادة قبيلة بني صبيح عام 1844، حيث يقول: «لقد تولى الجنود جمع كميات هائلةمن أنواع الحطب، ثم كدسوها عند مدخل المغارة التي حملنا قبيلة أولاد صبيح علىاللجوء إليها بكل ما تملك من متاع وحيوانات، وفي المساء أضرمت النيران وأخذت كلالتدابير، لكي لا يتمكن أي كان من الخروج منها حيا» (13) .
وقدبين ذلك الأسلوب «توكفيل» في تقرير له عام 1841، وهو يتحدث عن الوسائل العملية التييمكن استخدامها في إخضاع القبائل الجزائرية، فيقول: «يجب أن ندمر تجارتهم، وأن نمنععنهم كل المبادلات التجارية، وبعد ذلك تأتي الوسيلة الثانية وهي تخريب البلاد، وفياعتقادنا أن الحرب ضرورية في تدمير البلاد، سواء بإتلاف المحاصيل في أوقات الحصاد، أو في كل الأوقات التي تتطلب الغارات المباغتة والسريعة من أجل اختطاف العباد ونهبقطعان الغنم والبقر» (14) .
وهكذايظهر جليًا أن خطاب «توكفيل» كان يتماشى مع خطاب بناة الاستعمار، فهو في الختاميطمئن قادة فرنسا على أن تلك الأساليب والمغامرات العسكرية تعد مفخرة للدولةالفرنسية، وبتعبيره، وهو ينصح قادة العنف والتقتيل: «ألا تنشغلوا بأمجادكم الشخصية، وأن يؤدي كل واحد منكم واجبه بإخلاص لبلاده، إن فرصة الظهور لكل واحد منكم تكمن فيالقيام بأعمال وحشية ودموية» (15) .
كانتفرنسا في حاجة إلى المزيد من الجنود قصد تنفيذ إستراتيجيتها الاستعمارية فيالجزائر، ولهذا لم تكتف بقوتها العددية، بل راحت تستعين بالمجندين أو المحاربين منمختلف الجنسيات الأوروبية وكذلك بالمجندين الجزائريين لتأسيس «الجيش الإفريقي» .
كانعدد هؤلاء المجندين الجزائريين في سنة 1844 حوالي 9.654 مقاتلًا من المجموع العامالذي بلغ 80.862 جنديًا، وفي سنة 1859 بلغ عدهم 13.259 من مجموع 83.870 جنديًا، أيبنسبة (16%) ، أما الجيش الفرنسي، فكان عدده بالتقريب 100 ألف جندي فيما بين 1846 و1847، وأكثر من 80 ألف جندي في سنتي 1857 و 1864، وأكثر من 70 ألف في أواخر (16) .
ونلاحظ أن العدد التقريبي كان يتغير وفق الظروف الحربية، واشتدادالمقاومة الجزائرية، وحسب «فارني» ( Warnier) ، فإن الجندي كان يكلف حوالي 1.000 فرنكفي السنة، وهذا ما كلف خزينة الدولة الاستعمارية أكثر من مليارين ومائتي مليونفرنك (17) .
تلكهي جوانب من الجهد الحربي الفرنسي، وأساليبه في الإبادة ولم تقتصر السلطاتالاستعمارية على ذلك، بل عمدت على إنشاء في الوقت نفسه المكاتب العربية التي ستكونالوسيلة الأخرى التي ستستخدمها الإدارة العسكرية لإخضاع السكان.
ثانيا: دور المكاتب العربية:
عندماحاول الفرنسيون أن يتوسعوا في الجزائر ويبسطوا نفوذهم في مختلف المناطق، واجهتهمصعوبات كثيرة من جراء رفض وامتناع الجزائريين من التعاون معهم ومهادنتهم، وكانت قدطرحت مشكلة إدارة السكان بعد فترة قصيرة من الاحتلال للقيادة العسكرية التي كانتتنقصها معلومات حول الأحوال العامة في الجزائر، ولكن نظرًا لنقص الخبرة، تركتالقيادة هذه الأعمال، وأعطيت مهمة مراقبة السكان لبعض الشخصيات المحلية ذات النفوذالكبير، وقد تبين بعد ذلك أن هذه الشخصيات المختارة لم تقم بدورها كاملًا في تزويدالإدارة العسكرية بالمعلومات الضرورية، ولهذا قررت السلطات الاستعمارية إنشاء هيئةتتكلف بجمع المعلومات عن الجزائريين، وجعل هذه الهيئة عبارة عن جسر يربط بينالفرنسيين وبين الجزائريين.
تأسستهذه الهيئة في عام 1833، وسميت «بالديوان العربي» وكان أول شخص عين على رأسها، هوالنقيب «لاموريسيير» ( Lamoriciere) ، الذي كان يجيد اللغة العربية، وقد أعطى هذاالضابط دفعًا قويًا لهذه المصلحة، وحقق نجاحًا كبيرًا، وأصبح مكتبه وسيلة فعالة فيالتقاط المعلومات وجمعها والدعاية للاستعمار.
(يُتْبَعُ)