فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
اعلم كلمة يأتي بها للاهتمام و للحث على تدبر ما بعدها و الخطاب بها في هذا الموضوع لكل المكلفين بأن الله جل شأنه وتنزه عن كل نقص و علا بكل معاني العلو لم يترك الخلق سدى ولا هملا أي لا عبثا و لا باطلا بل لحكمة بالغة"ليجزي الذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى"وقال تعالى"أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا و أنكم إلينا لا ترجعون"، بل خلق الله تعالى الخلق ليعبدوه عز وجل بما شرعه على ألسنة رسله و أنزل به كتبه و مع عبادتهم إياه لا يشركون بعبادته بل وبالإلهية يفردوه دون ما سواه قال الله تعالى"وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون"قال علي بن أبي طالب t: أي إلا لآمرهم أن يعبدون وأدعوهم لعبادتي. يؤيد ذلك قوله تعالى"و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو .."وأما معنى العبادة فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى و يرضاه من الأقوال و الأعمال الباطنة و الظاهرة. و جماع العبادة كمال الحب مع كمال الذل.
أخرج فيما قد مضى من ظهر ... آدم ذريته كالذر
وأخذ العهد عليهم أنه ... لا رب معبود بحق غيره
أخرج أي الله تبارك و تعالى، ذريته كل من يوجد منهم الى يوم القيامة، كالذر أي كهيئته، و أخذ عز وجل العهد عليهم و تفسير العهد أنه الضمير للشأن أو الحال هو ربهم لا رب معبود مستحق للعبادة قال الله تبارك و تعالى"وإذ أخذ ربك من بني آدم ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ..".
و المواثيق ثلاثة، كلها ثابتة بالكتاب والسنة:-
الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم عليه السلام و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى.
الثاني: ميثاق الفطرة و هو أنه تبارك و تعالى فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول كما قال تعالى"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله".
الثالث: هو ما جاءت به الرسل و أنزلت به الكتب تجديدا للميثاق الأول و تذكيرا به"رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل".
وبعد هذا رسله قد أرسلا ... لهم وبالحق الكتاب أنزلا
لكي بذا العهد يذكروهم ... وينذروهم ويبشروهم
كي لا يكون حجة للناس بل ... لله أعلى حجة عز وجل
فمن يصدقهم بلا شقاق ... فقد وفى بذلك الميثاق
فذاك ناج من عذاب النار ... وذك الوارث عقبى الدار
ومن بهم وبالكتاب كذبا ... ولازم الأعراض عنه والإبا
فذاك ناقض كلا العهدين ... مستوجب للخزي في الدارين
وبعد هذا أي الميثاق الذي أخذه عليهم في ظهر أبيهم ثم فطرهم على الإقرار به، لهم أي إليهم و بالحق متعلق بأنزل أي بدين الحق الكتاب جنس يشمل جميع الكتب المنزلة على جميع الرسل أنزلا والأمر الذي أرسل الله تعالى به الرسل إلى عباده و أنزل عليهم به الكتب هو لكي بذا العهد الميثاق الأول يذكروهم تجديدا له و إقامة لحجة الله عليهم و ينذروهم عقاب الله إن هم عصوه و يبشروهم بمغفرته ورضوانه إن هم وفوا بعهده، و الحكمة في ذلك كي لا يكون حجة على الله عز و جل للناس بل لله على جميع عباده أعلى حجة أبلغها و أدمغها عز سلطانه وجل شأنه"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"و قال تعالى"قل فلله الحجة البالغة".
فمن يصدقهم يعني الرسل بلا شقاق تكذيب، فقد وفي لربه عز و جل بذلك الميثاق العهد الأول و هؤلاء هم القليل من الثقلين، وجواب الشرط فذاك ناج من عذاب النار إذ لم يرتكب أسباب دخولها، و ذلك الوارث عقبى الدار وهي الجنة لفعله أسبابها التي أمره الله عز وجل بها.
ومن بهم أي بالرسل و بالكتاب أي الكتب التي أنزل الله عليهم، كذبا و لازم الأعراض عنه عما أرسل الله به رسله والإبا أي الامتناع وهم الذين قال الله تعالى فيهم"الذين كذبوا بالكتاب و بما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون"و هؤلاء أكثر الثقلين، و جواب الشرط فذاك أي المكذب المصر على ذلك حتى مات عليه هو ناقض كلا العهدين الميثاق الذي أخذه الله عليه و فطره على الإقرار به وما جاءت به الرسل من تجديد الميثاق الأول و إقامة الحجة، مستوجب بفعله ذلك للخزي في الدارين أي في الدنيا والآخرة كما قال تعالى"و أتبعناهم في هذه الدنيا لعنة و يوم القيامة هم من المقبوحين".
(يُتْبَعُ)