فهرس الكتاب

الصفحة 23883 من 28557

وليست هذه العلة وحدها ما يعتور الأكثرين من إخواننا في ذلك، ولكنك ترى فيهم كذلك - إلا ما رحم ربك - تأثرا ذميما بالأصول التشريعية والفكرية والثقافية العامة التي ينطلق منها أصحاب الشبهات من النصارى والملاحدة في زماننا هذا! .. فمع أن كل مبتدئ في طلب العلم يعلم أن الله تعالى قد شرع لولاة الأمر في بلاد المسلمين جهاد الطلب لإزالة طواغيت الكفر ووضع عدالة الإسلام في مكان جور الأديان في بلاد الكفار رحمة بهم - وهو مقصد إضافي زائد على مقصد الدعوة إلى دين الله وإدخال عامة الكفار فيه ولكن كثيرا من الناس لا يميزون بين المقصدين نظرا لكونهما وسيلتين لغاية واحدة - إلا أنك ترى من الإخوة - ومنهم طلبة علم بكل أسف - من يرد على شبهة"نشر الإسلام بالسيف"بأن يزعم - هكذا بمنتهى السهولة - أن الإسلام لم يفرض الجهاد إلا صدّا للعدوان ولصولة الصائلين وصيانة لبيضة الإسلام في الأمة! فلماذا يتهيب هذا المسكين من أن يشرح وبكل وضوح وبكل ثقة ورسوخ قدم الحكمة الربانية الكبرى من فرض شريعة الغزو في سبيل الله ووضع شريعة الرب في مكان شرائع الكفار، ومن خروج السرايا والبعثات من زمان الخلفاء الراشدين وإلى آخر عصور الدولة العثمانية للغزو والفتح وتوسعة بلاد المسلمين، ثم فرض الجزية على كل من أبى من أهل الكتاب الدخول في الدين الحق من بعد ما قامت عليه حجته، يعطونها عن يد وهم صاغرون؟ السبب أن هذا الداعية متأثر - تأثرا خفيا - بفكر فلسفي غربي نصراني-علماني الأصل، صار يُبث في زماننا هذا في قلوب الناس في كل مكان - بما في ذلك بلاد المسلمين - فكر مفاده أن القتال والحرب من حيث المبدأ فساد وجريمة أخلاقية كبرى أيا ما كان مبررها، وأن التعايش السلمي المطلق والمحبة"الإنسانية"المطلقة مع حرية الفكر والتعبير المطلقة في إطار ما يجعلونه هم من"حقوق الإنسان"= فريضة هذا الزمان وواجب هذا الوقت الذي نحن فيه، بل وأن مطلق القتل نفسه (قتل النفس) عمل لا أخلاقي مذموم!! وكثيرا ما تجد الداعية أو طالب العلم يجزم بكل قوة بأنه متفطن لتلك الأشياء وأنه غير متأثر بها، ولكن عندما تتأمل في تخريجاته وتأويلاته واختياراته واجتهاداته الحديثية وردوده ومواقفه في كثير من القضايا وعلى كثير من الشبهات، ترى فيه من هذا ما لا تراه عيناه!

فلما أُشربت قلوب بعض إخواننا بتلك الأصول الفكرية الثقافية المختلطة ما بين الفلسفة النصرانية والعلمانية وبعض فلسفات الشرق الوثنية، وتربوا عليها في مجتمعاتهم المسلمية المعاصرة من حيث لا يشعرون، حيث كثر حصار المفكرين والكتاب من تلك الملل لآذان وأسماع الناس في كل مكان، وكثر نشاط أذنابهم ممن يلفون لفهم في بلادنا، وهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا في الإعلام ليل نهار، وقل اطلاع الإخوة على كتب السنة ومؤلفات الأئمة المتقدمين، صار الواحد من إخواننا يتهيب من تقرير كثير من الحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصار ينبغي علينا - بلسان حال الواحد من هؤلاء المفتونين - ألا نقدم الإسلام للناس إلا على وفق هذه المبادئ والكليات الكبرى عند هؤلاء، حتى لا يقال إننا متخلفون أو إرهابيون أو نعيش في قرن غير هذا القرن! بل إنك تراه يأتي أحيانا على بعض تفاسير الأئمة المتقدمين عند آيات القتال فيتحرج منها ولعله يخفي بعضها عندما يجادله المجادلون في تلك الآيات، بدعوى أنها قد تفتن الكفار في هذا الزمان، لا سيما أهل الغرب!! ولا شك في أن ليس كل ما يعلم يقال، وأن من فقه الدعوة صيانة حدثاء العهد بالإسلام مما قد لا تستوعبه أفهامهم ولا يلزمهم تعلمه، ولكن تأخير بعض المعارف عن المسلمين الجدد لحين رسوخ أقدامهم في الدين شيء، وتعليمهم كلاما باطلا يخالف تلك المعارف الموروثة في ديننا أصلا شيء آخر!!

فما أقول لهؤلاء إلا كما قال الله تعالى في أولئك الذين تذرعوا بالخوف على أنفسهم من الفتنة يريدون التخلف عن القتال: (( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ) [التوبة: 49]

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت