فَصْلٌ) وَآكَدُ مَا عَلَى الْمَرِيضِ أَوْ وَلِيِّهِ امْتِثَالُ السُّنَّةِ فِي الصَّدَقَةِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ {دَاوُوا مَرَضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَادْفَعُوا الْبَلَاءَ بِالصَّدَقَةِ وَاسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالصَّدَقَةِ} وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الْمَرَضِ وَالْمَرِيضِ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ شَدِيدًا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَجُهْدُ الْمُقِلِّ، لِحَدِيثِ {عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي التَّمْرَةِ الَّتِي تَصَدَّقَتْ بِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ فَشَقَّتْهَا نِصْفَيْنِ وَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفًا} .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنَّ الْمَرِيضَ يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَدْرِ مَا تُسَاوِي نَفْسُهُ عِنْدَهُ وَالصَّدَقَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقٌ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ كَرِيمٌ مَنَّانٌ، ثُمَّ إنَّ الثَّوَابَ حَاصِلٌ بِنَفْسِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ صَحَّ صَاحِبُهَا مِنْ مَرَضِهِ فَبَخٍ عَلَى بَخٍ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي حَقِّ مَنْ امْتَثَلَ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَجِدُ صَدَقَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَلْ مُضَاعَفَةً إلَى سَبْعِمِائَةٍ كَمَا وَرَدَ {وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} وَالصَّدَقَةُ لِلْمَرِيضِ عَامَّةٌ فِي الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
ثُمَّ إنَّهَا لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْمَرِيضِ وَإِنَّمَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ.
وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ} وَالسُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ هِيَ أَعْضَاءُ ابْنِ آدَمَ فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ: عَلَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَيُعْطِي ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً عَلَى عَدَدِ الْأَعْضَاءِ)
و قد تعقب الشيخ سفر الحوالي في كتابه"ظاهرة الإرجاء"كلام شارح كتاب التوحيد الشيخ سليمان بن عبدالله في شرحه لباب (من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا") فقال في كتاب"
(ظاهرة الإرجاء(1/ 114)
(ورحم الله الشيخ محمد بن عبدالوهاب فقد عقد بابًا خاصًا في كتابه المبارك"كتاب التوحيد"بعنوان:
"باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا". أورد فيه قوله تعالى:
{من كان يريد حرث الدنيا و زينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون} [هود: 15]
والحديث الصحيح:"تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط …"الحديث.
ومراده أوسع وأعمق مما ذكره حفيده العلامة سليمان بن عبدالله في قوله: إن المراد بهذا الباب"أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا يريد به الدنيا، كالذي يجاهد للقطيفة والخميلة ونحو ذلك"
فهذا وإن كان داخلًا في المراد، لكن تقييده به تضييق لمغزى واسع أحسب أن الشيخ المؤلف أراد إيضاحه، وهو أن أكثر الناس المسلمين وغيرهم جعلوا همهم وحرثهم وكدحهم وتعبهم للدنيا وحدها، فلا تتحرك قلوبهم ولا تنفعل إلا لها وبها، حتى أنهم لو دعوا الله وعبدوه فإنما يريدون بذلك زيادة الخير والبركة في الصحة والرزق، و هذا باب أوسع من باب فساد النية مع عمل صالح يفعله العبد المؤمن، فهذا الباب - الأخير - يصيب الصالحين و يعرض للمخلصين.
كما أن ظاهر الحديث لا يؤيد كلامه رحمه الله، فالمقصود من الحديث هو عبودية القلب وإرادته غير الله، وليس مجرد فساد النية مع عمل صالح، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط بين العبودية للدنيا وعمل القلب بقوله:"إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط"وهو مطابق لمنطوق ما ذكر الله عن المنافقين في قوله:
{ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} [التوبة: 58] وهي ضمن سياق كله في النفاق الأكبر.
فعبودية القلب للدنيا التي لحظها شيخ الإسلام المؤلف، هي ذلك الداء العضال الذي ابتليت به الأمة الإسلامية، فنزع الله مهابتها من قلوب أعدائها وقذف في قلوبها (الوهن) حب الدنيا وكراهية الموت، فأصبح حرثها وهمها للدنيا وحدها.
وهذه بلوى أوسع وأخطر من الجهاد من أجل القطيفة والخميلة الذي قد لا يزيد عن كونه ذنبًا عارضًا يتاب منه، وليس المرض العارض كالعاهة المزمنة ... )
(يُتْبَعُ)