فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثُم إنَّ هذه المناسبات: الديني منها والاجتماعي قد أحدث الناس فيها من صور الاحتفالات ما أجمع العقلاء على فسادها؛ كما تجد في"بدعة الموالد"من: رقص وغناء وفجور!
وكما تجد حتى في مولد النبي -صلى الله عليه وسلم- من أغانٍ ومدائح فيها من الشركيات ما فيها، بالإضافة لما فيها من الموسيقى، وهذا بالنسبة للصوفية ومدمني الموالد، وأما عامة الناس: فالمناسبة عندهم أكل لحم وحلوى، وهذا عندهم هو علامة حب النبي -صلى الله عليه وسلم-! وأما من سقى الناس شرابًا في ذلك اليوم فقد جاوز عند نفسه المدى في محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-!
وأما شم النسيم وما شابهه من الأعياد الشركية؛ فحدث ولا حرج عن مظاهر الفسق والفجور، وقتل الفضيلة وذبح العفاف إلى غير ذلك من الصور ... !
هذا هو الواقع! ولكن مع ذلك اختلف الناس في تكييفه الشرعي.
وإذا استصحبنا المثال السابق حول جلد الميتة والخنزير؛ فيمكن التعبير عن مواقف الناس منها على النحو التالي:
1 -منهم مَن رأى أن هذه البدع من حيث الأصل ضلالة مردودة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) (متفق عليه) ، وكما قال -عليه الصلاة والسلام-: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) (رواه مسلم) ، فهي منصوص على حرمتها كما أن الخنزير منصوص على نجاسته، وأن ما يحدث من طقوس احتفالية بها يزيدها فسادًا، كما أن الدم والعصب يزيدان جلد الخنزير نجاسة، ومسلك هذا الفريق لا تخفى قوته وحجته.
2 -ومنهم من رأى أن كثيرًا منها لا سيما الديني منها -كالمولد النبوي- والاجتماعي -كعيد الأم- داخل في البدعة الحسنة، وأن طريقة الاحتفال بها أيضًا داخلة في البدعة الحسنة من الطعام أو الشراب أو الحلوى أو غيرها، وإن كان يضطر أحيانًا إلى إنكار ما يتم فيها من منكرات صارخة، وبعضهم لا ينكر هذه المنكرات إلا عند المناظرة مع المتمسِّكين بالسنة من باب الحيدة في المناقشة، كما يفعل كثير من الصوفية الذين يتبرؤون من المفاسد التي تحدث في الموالد مع علمهم أنه لولا هذه"المخازي"ما كان المولد! ثم تجد أحدهم وقد ضرب خيمته في المولد ومن حولها تتناثر خيام الغواني والقمار، ولا يحرك لذلك ساكنًا!
فهؤلاء كمن يستحل جلد الميتة قبل الدباغ متمسكًا بأنها تطهر بالدباغ مع أنها لم تدبغ بعد! ومع أنها نجسة لا لكونها ميتة فقط؛ بل ولكونها جلد خنزير لا ينفع فيه الدباغ!
3 -وأما الفريق الثالث فهو: فريق عقله مع الفريق الأول الذي يدعو إلى تصحيح عقائد الناس وعوائدهم، وعينه على الكمِّ الرهيب ممن يحتفلون بهذه البدع أو يتمسكون بهذه العادات، فحاول هؤلاء التوسط لا سيما ومعظمهم محسوب على مدرسة الأستاذ"حسن البنا"الذي قال في توصيف جماعته:"دعوة سلفية وحقيقة صوفية"، فتبنى هؤلاء القول بتقسيم البدعة"في الدين"إلى: بدعة حسنة وبدعة سيئة، وهذا مخالف لكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) ، ثم وضَّح هذا بقوله: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) ، فدل هذا على أن كل بدعة في الدين ضلالة.
وأما ما ينقسم إلى: حسن وقبيح، أو بالأحرى يدور على الأحكام الخمسة فهو:"البدع الدنيوية"، وهذا هو مقصود العلماء الذين قالوا بالبدعة الحسنة: كالعز بن عبد السلام وغيره ... حتى جاء دعاة الصوفية فوجدوا في هذا القول بابًا يسوِّغون به رقصهم وغناءهم إلى أن ضاهوا به دين اليهود والنصارى، بل ضاهوا به دين المشركين الذين قال الله فيهم: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) (الأنفال:35) ! وأخذ هؤلاء يحاولون تمرير كل ما يمكن وصفه بالحسن من البدع المحدثة.
ومن عجيب الأمر أنهم يضطربون في هذا اضطرابًا عجيبًا؛ فبينما يرى معظمهم أن"بدعة عيد الأم"من أحسن ما اخترع الناس - لما فيها من بر الأم-؛ يرى الأستاذ"محمد حسين"والذي رفع عن كثير من البدع وصف البدع في كتابه:"تجلية البدع"وعلى الرغم من أن عيد الأم عنده عادة وليس بدعة؛ إلا أنه يراها عادة سيئة؛ لما فيها من جرح مشاعر فاقد الأم (2) . فهؤلاء قريبون من الفريق الثاني، إلا أنهم أكثر تناقضًا واضطرابًا!
(يُتْبَعُ)