فهرس الكتاب

الصفحة 23991 من 28557

وما زالت المناقشات والدراسات سجال بين الفريقين في مسألة: البدع الإضافية، وهل يشملها وصف البدعة الضلالة كما بينه شيخ الإسلام"ابن تيمية"-رحمه الله- في مواطن متعددة من الفتاوى، و"الشاطبي"في موسوعته الشاملة عن البدع"الاعتصام"، ومن جرى على طريقتهم، ومن أبرزهم من المعاصرين: الشيخ"على محفوظ"-رحمه الله- عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر سابقًا، أم إنها قابلة للتحسين كما فهمه بعض متأخري الفقهاء المتأثرين بالصوفية من كلام العز بن عبد السلام -رحمه الله-؟

ويمكن الرجوع في الرد على القائلين بالبدعة الحسنة في أمر الدين إلى كتاب"الشاطبي"أو إلى كتاب الشيخ"على محفوظ"-رحمهما الله تعالى-.

4 -وزاد في الآونة الأخيرة فريق من دعاة السنة ممَّن كان لهم موقف مبدئي رافض لتقسيم البدعة في الدين إلى: بدعة حسنة وبدعة سيئة، ولم يصدر عنهم موقف مخالف لذلك، ومع هذا يدعون إلى تمرير بعض الأمور التي هي على طريقتهم القديمة -والأصل بقائها- بدعة؛ بدعوى أنه يمكن تغيير طريقة احتفال الناس بها إلى طريقة بنََّاءة شرعًا، ويأتي على رأس البدع التي حظيت بهذا"التمرير"بدعتان:

الأولى:"الاحتفال بالمولد النبوي"؛ لما يمكن تحميله لهذه المناسبة من معانٍ شرعية لا يختلف عليها اثنان: كحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، واتباع سنته، والدعوة إليها.

الثانية:"عيد الأم"؛ لما يمكن تحميله لهذه البدعة من معاني بر الأم وإكرامها.

وربما توسط البعض فتطوع بنقل كلام من يجيز بدعة المولد النبوي من باب الرأي والرأي الآخر دون أن يقرَّ بمشروعيته حتى وإن تغيرت طريقة الاحتفال به، وبتدبر هذا المسلك تجد أن فيه قدرًا من الغموض لابد لصاحبه من إزالته.

ولنرجع إلى المثال الذي ذكرناه آنفًا وكيف أن الفقهاء المتقدمين لم يبحثوا أثر الدباغ إلا بعد التأكد من طهارة الأصل، ونحن وهُمْ نرى أن كل بدعة في الدين ضلالة حتى ولو كانت بإضافة صفة ثانوية لعبادة مشروعة، كما أنكر عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- على من جعلوا لهم إمامًا في الذكر.

فكيف نأتي إلى مناسبة بدعية احتفَّت بها مفاسد أخرى فننشغل بهذه المفاسد وإزالتها عن أصلها -هذا إذا أزيلت- مع أن الواقع يقول: إن البدع طالما مُرِّرت مرت بعُجرها وبجرها -كما يقولون-؟!

فحال هؤلاء الأفاضل كحال من يحاول"دباغ جلد الخنزير"مع أنه يعلم نجاسته حتى لو دبغ! فهل يستقيم هذا المسلك؟ اللهم إلا إذا كانوا قد غيَّروا رأيهم في قضية البدعة الحسنة، ومع أننا لا نتمنى هذا إلا أنه على فرض حصوله فإن إعلانه وإبرازه أفضل؛ حتى تستقيم لكل داعية فروعه على أصوله.

وبعد أن بيَّنا أن البدعة كجلد الخنزير لا يجدي معها الدباغ نعود فنناقش هؤلاء الأفاضل فنقول:

هل بالفعل تم لهم هذا الدباغ؟ وبعبارة أخرى: هل تحول المحتفلون بالمولد النبوي من الصوفية ونحوهم من مجالس الرقص والغناء -المسماة زورًا وبهتانًا بمجالس الذكر- إلى تدارس البخاري ومسلم أو دعوة الكفار إلى الإسلام أو التصدي لحملات الكفار ضد النبي -صلى الله عليه وسلم-؟! بل هل غيَّر أحد العوام سلوكه في المولد النبوي فاشترى لأولاده نسخًا من رياض الصالحين -مثلًا- بدلًا من حلوى المولد؟!

لقد استدل أحد هؤلاء الأفاضل على مسلكه بفشل دعاة السنة في اقتلاع البدع وهذا مسلك خطير؛ فعلى فرض أن دعاة السنة فشلوا فالله -تعالى- لم يأمرهم إلا بالبلاغ، ومع هذا فالدعوة إلى السنة تكسب كل يوم أرضًا جديدة -بفضل الله تعالى-.

ولكن الدعوة التي لم تلقَ أي تجاوب هي دعوة هؤلاء الأفاضل لأهل البدع لأن يغيروا طريقة احتفالهم؛ لأن أهل البدع لهم مرجعيتهم التي يرجعون إليها، والعوام كلٌّ يدور في فلك أحد الاتجاهات ويأخذ منها، ومَنْ منهم يرجع إلى الدعاة السلفيين لا مانع عنده مِن ترك البدع، ومَن يرجع إلى الصوفية أو المتربين بها لن يأخذ بتلك الطريقة المعدَّلة في الاحتفال.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت