فهرس الكتاب

الصفحة 2403 من 28557

وفي العام السادس من الهجرة والحرب لم تضع أوزارها، خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مكة معتمرا، وكان الذهاب إلى مكة بلا سلاح ولا عتاد وفي ذلك الحين والحرب لم تضع أوزارها وقريش لم تثأر لأشرافها وأبنائها يخالف ما تمليه العقول على أصحابها فقد قتل أشرافهم وأذل بالأسر رجالهم وأخذ أموالهم، وهم قد غدروا به وتنكروا لأعرافهم هم قبل أعراف غيرهم فلم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة، وهم قد جاءوه بالأمس في المدينة طلبا لثأرهم في يوم أحد ويوم الخندق، واليوم يذهب إليهم محرما؟! بلا سلاح ولا عتاد؟!

من يقول بهذا؟

أي عقل يقبل هذا؟!

راح رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يستنفرهم، ويعظهم بالله ويذكرهم، ولكن المنافقين كانوا ـ ولا زالوا ـ عقلانيين، واقعيين. . . يقيسون الأمر بعقولهم القاصرة، فقالوا قولتهم قَالَوا:"نذهب معه إلى قوم قد جاءوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم! فاعتلوا بالشغل"وهذا قول الله تعالى {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12،11]

نعم وكانوا قوما بورا.

ورأى المنافقون مرات عدّة أن الأمور لا تسير بحساباتهم، ولا تقاس بعقولهم، فمسبب الأسباب ـ سبحانه وتعالى ـ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، رأوا ذلك رأي العين في يوم الفرقان حين التقى الجمعان، حزب الرحمن وحزب الشيطان، ورأوه في يوم الأحزاب، وفي يوم الحديبية. ولكن المنافقين لا يفقهون.

في يوم العسرة، جيش المسلمين ثلاثين ألفا، فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرجوا يريدون الروم، ولم تفهم عقلية المنافق الدرس مع أنها سمعته عدة مرات نظريا ورأته بعينها عدة مرات، لم تفهم لأنها لا ترى إلا الأسباب الحسية التي في أيديها. وراحت تتكلم ثانية، تشكك في النصر على الروم تقول: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال. وقد كان جلاد بني الأصفر أقل من جلاد العرب، وما فهم المنافقون. بل عادوا يسخرون ويستهزئون.

ونفر ممن يخالطون المؤمنين حين يرون حركة الإسلام بهذه الخصوصية المطلقة يحسبون أنها ضرب من اللاعقلانية والعجلة وسوء التخطيط، كإخوانهم الذين نافقوا في عهد النبوة. وتراهم في كل حين يسألون:

إن تولى الإسلاميون الحكم ثارت عليهم الدنيا. فكيف سيتعاملون؟

وإن تولى الإسلاميون الحكم حاصرتنا الأمم ورمتنا عن قوس واحدة. فكيف؟

وإن تولى الإسلاميون الحكم ثارت الأقليات طلبا لثأرها. فكيف؟

يصرون أن يحاكموننا إلى أعراف الجاهلية. إلى المفاهيم الدنيوية الدنية.

وأعراف الجاهلية لا نعرفها، ونؤمن تماما بأن هناك خصوصية للشريعة الإسلامية في كل شيء.

ارتباط النفاق بالإصلاح:

يقول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة:11]

كانوا يوالون الكافرين، ويتلطفون في الحديث معهم، ويكشفون عوارات المسلمين لهم يقولون: (إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب) ويقسمون أنهم مصلحون، أو ـ كما يقول السياق ـ أنهم هم المصلحون. ينشرون الفساد في المجتمع يدعون بذلك الإصلاح (فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح, قلبا للحقائق) كما يقول الشيخ السعدي رحمه الله وهو يفسر الآية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت