فهرس الكتاب

الصفحة 24061 من 28557

في القرآن والنقصان فيه، وقد ذهب إليه جماعة من متكلمي الامامية و أهل الفقه منهم والاعتبار )) انتهى كلامه.

هذه جملة كلام هذا الإمام الكبير (ابن المعلم) , ولنبدأ بعون الله بتحليل كلامه حتى نصل إلى المراد على أكمل وجه ..

قال المفيد: (( ... واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة الني(ص) .

وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه )) .

فهنا ينقل اتفاق الإمامية على أن الصحابة-رضي الله عنهم- المشار إليهم في كلامه بـ (أئمة الضلال) قد خالفوا في كثير من تأليف القرآن .. وليس هذا اجتهادًا يمكن قبوله واستساغته؛ بل هو مخالفة لما يجب في حق التنزيل, ومخالفة لسنة وطريقة النبي-صلى الله عليه وسلم- في تأليف القرآن الكريم؛ فتدبَّر!

ويوضحه أن هذا الاعتقاد يخالف إجماع الفرق الأخرى, ومعلوم أن الفرق الأخرى من أصحاب الحديث والمعتزلة وغيرهما قد اتفقوا على سلامة القرآن من التحريف في كثير أو قليل؛ فتأمَّل!

قال المفيد: (( 59 - القول في تأليف القرآن وما ذكر قوم من الزيادة فيه والنقصان:

أقول: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد (ص) ، باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان )) .

فالشيخ المفيد يقرر أمرًا مهمًا جدًا وهو استفاضة الأخبار عن الأئمة المعصومين من آل محمد باختلاف القرآن, وتلاعب بعض الظالمين (الصحابة) فيه من الحذف والنقصان!!!

وهذا ما عَبَّر عنه غيره من الأئمة بالتواتر, وقد جمع منه المحدث الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب) قرابة ألفي رواية؛ مما يدل على شدة التواتر في هذه المسألة؛ فتنبه!

قال المفيد: (( فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر, وتأخير المتقدم, ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرْتب بما ذكرناه ) )

يقصد تأليف القرآن وترتيب آياته وسوره, وأنها تخالف الترتيب النزولي لها.

قال المفيد: (( وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه، وقد امتحنت مقالة من ادعاه، وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم طويلا فلم اظفر منهم بحجة اعتمدها في فساده ) ).

فالنقصان من القرآن أمر ممكن وقوعه عقلا عند الشيخ المفيد, ومن خالف هذا لم يأتِ بدليل معبتبر يدل على فساده!

قال المفيد: (( وقد قال جماعة من أهل الامامة إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين(ع) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله وذلك كان ثابتا منزلا وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذى هو القرآن المعجز، وقد يسمى تأويل القرآن قرآنا قال الله تعالى: (ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) فسمى تأويل القران قرآنا، وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف )).

من هذه النقطة نستشف الخلاف الدائر بين علماء الإمامية في تحريف القرآن والإنقاص منه من قبل بعض الظالمين؛ فقد ذهب منهم جماعة إلى أنه المنقص ليس هو كلام الله تعالى نفسه, ولكنه كلام أبي العترة المعصوم (علي بن أبي طالب) الذي يعتبر تفسيرًا وتأويلًا للقرآن, وهو مع ذلك ثابت مُنزل!

ومفهوم المخالفة للكلام يفيدُ أن الآخرين من أهل الإمامة قد ذهبوا إلى أن المنقص من القرآن هو نفس كلام الله تعالى, وهو ما سيأتي قريبًا؛ فلا تعجلْ!

قال المفيد: (( وعندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل والله أسأل توفيقه للصواب ) ).

ونقصان تأويل القرآن وتفسيره أرجح عند الشيخ المفيد من قول الآخرين من الإمامية الذين ادعوا نقصان نفس كلام الله تعالى ..

ويستفاد من قوله: (( إليه أميل ) )ومن قوله: (( والله أسأل توفيقه للصواب ) )أن المسألة ليست من القطعيات التي لا يحق النقاش فيها؛ بل هي من مسائل الاجتهاد السائغ عند الإمامية التي يميل إليها المرء حينًا وقد يميل غيره إلى خلافها, ويُسأل الله الصوابَ فيها!!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت